رقمنة المعاملات استراتيجية للتطوير المالي

|


وضعت "رؤية المملكة 2030" عدة برامج لتحقيق محاورها الثلاثة، ومن بين أهم تلك البرامج يأتي برنامج تطوير القطاع المالي لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسة، يتمثل الهدف الأول في تطوير سوق مالية متقدمة، والهدف الثاني تمكين المؤسسات المالية من دعم نمو القطاع الخاص، والثالث يأتي لتعزيز وتمكين التخطيط المالي "كالادخار، وما إلى ذلك". ولكن هذه الأهداف الكبيرة تواجه تحدي الشمول المالي الذي يعرف بأن تكون المنتجات والخدمات المالية والمصرفية متاحة لجميع أفراد المجتمع، بكافة شرائحهم ومستويات دخلهم وأماكن معيشتهم.
ويتطلب المشروع الكبير أن يكون هناك حساب لكل فرد في المجتمع، وأن يكون الفرد قادرا على الوصول إلى الخدمات المصرفية بأقل تكلفة ممكنة كأحد مؤشرات النجاح الرئيسة للقطاع المالي ــ أي قدرته على خدمة مجموعة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين. وتشير مؤشرات الشمول المالي في عام 2016 إلى أن نسبة الذين يمتلكون حسابا مصرفيا من البالغين في المملكة 74 في المائة، بينما كانت الأرقام المرعية القياسية تشير إلى أن نسبة الشمول تجاوزت 90 في المائة.
هذا يؤكد أن الحاجة لم تزل ماسة إلى زيادة نسب الشمول المالي لتصل إلى المعدلات العالمية، ذلك أنه إذا لم نتمكن من تحقيق الشمول المالي فإن كثيرا من الأهداف التنموية والاقتصادية الاستراتيجية قد لا تتحقق وفقا لما نطمح إليه. ومن تلك الموضوعات موضوع تنمية وتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وكذلك تحقيق الطموحات ذات الصلة بالرقمنة، وتحديدا المجتمع غير النقدي، إذ تضع مستهدفات تطوير وإصلاح القطاع المالي أن يلتزم البرنامج بزيادة حصة المعاملات غير النقدية من 18 في المائة في عام 2016 إلى 28 في المائة بحلول عام 2020. فكيف يمكن تحقيق مثل هذه الأهداف دون العمل الجاد على تحقيق الشمول المالي، والشمول المالي كمستهدف يجد مؤشراته أيضا في تحقيق مستهدفات أخرى، من بينها تراجع معدل استخدام النقد "الكاش" في تعاملات السوق السعودية. فهذا المقياس يؤكد أمرين هما مدى تحقيق الشمول المالي، ومدى تحقيق الرقمنة.
تشير أرقام مؤسسة النقد المنشورة أخيرا إلى أن مؤشر استخدام النقد "الكاش" انخفض إلى نحو 73 في المائة بنهاية تموز (يوليو) 2019، مقابل 27 في المائة للأنظمة الإلكترونية، ومقارنة بنسبة استخدام النقد خلال 2016 التي كانت تشير إلى 80.5 في المائة من إجمالي التعاملات ثم تراجعت إلى نحو 78.4 في المائة خلال 2017، ونحو 76.3 في المائة خلال 2018، فإننا أمام صورة أفضل بكثير ورغبة أوسع من المجتمع لاستخدام الوسائل الإلكترونية للدفع بدلا من النقد. هذا الإنجاز يأتي دليلا على تحسن خدمة نقاط البيع وثقة المتعاملين، وهو ما تؤكده تقارير مؤسسة النقد حيث نمت أجهزة نقاط البيع بنحو 16 في المائة خلال عام 2018 ليبلغ عددها نحو 352 ألف جهاز نفذت من خلالها نحو 1.03 مليار عملية خلال عام، وهذا هو الدليل الملموس على تنامي قدراتنا في الشمول المالي، ويقدم دليلا على إمكانية تحقيق معدلات أعلى في الشمول المالي فيما لو استمر الاتجاه في رقمنة المعاملات على هذه الوتيرة، والوصول سيكون سهلا للمجتمع غير النقدي، أحد مستهدفات برنامج تطوير القطاع المالي.

إنشرها