في الشأن التعليمي .. إعداد المعلم

|

إعداد المعلم أو برامج إعداد المعلم، أو تربية المعلم كلها مسميات لجميع الأنشطة والعمليات التي تستهدف إيجاد المعلم المناسب الذي يسهم إسهاما واضحا في إعداد أجيال المستقبل بكل كفاءة، واقتدار. وتختلف الدول في برامج إعداد المعلم حسب الإمكانات المتوافرة، والظروف التاريخية، إذ في بدايات التعليم في أي مجتمع عادة تكون البرامج بسيطة مقتصرة على الحد الأدنى من الكفايات، نظرا للحاجة الماسة إلى المعلمين، وهذا ما حدث في بداية التعليم في المملكة، حيث يوظف الأفراد في مستويي الخامس والسادس الابتدائيين؛ بهدف سد النقص في المعلمين. وتطور الأمر باستحداث معهد المعلمين الابتدائي، ثم مركز الدراسات التكميلية، والكليات المتوسطة، وكليات إعداد المعلمين، وكليات التربية التابعة للجامعات؛ كل هذا بهدف الرفع من مستوى كفايات المعلمين والانتقال بهم من الحد الأدنى إلى مستويات أفضل.
في سعي من وزارة التعليم إلى تقوية برامج إعداد المعلم طرح العام الماضي برنامج التأهيل التربوي بعد البكالوريوس لتكون درجة البكالوريوس مخصصة في معظمها لدراسة التخصص مهما كان، ويلي ذلك دبلوم تربوي لمدة عامين يدرس فيه الراغبون في امتهان مهنة التعليم طرق التدريس، والمناهج، وتقنيات التعليم، وعلم النفس، والتقويم التربوي. وكتبت حينها حول هذا الموضوع، والمشكلات الممكن حدوثها، كنقص المعلمين، نظرا للتوسع الطبيعي في التعليم، وزيادة الطلاب، إضافة إلى طول مدة إعداد المعلم، وأشياء أخرى تم تفصيلها في المقال.
ما سبق ذكره لا يعني عدم إدراكي لأهمية تطوير برامج إعداد المعلم، لكن بهدف التنبيه إلى الإشكالات المحتمل حدوثها؛ حتى تؤخذ في الاعتبار، ولعل من الدول التي تأخذ ببرامج إعداد المعلم عالية الجودة دولة فنلندا، الرائدة عالميا في التعليم، وبرامج إعداد المعلم، إذ يلزم الفرد ليكون معلما الحصول على درجة الماجستير؛ بهدف تكوين المعلم المقتدر، على أن الشهادة وحدها غير كافية، إذ لا بد من دخول كل الراغبين في العمل في التعليم منافسة يخضعون فيها لاختبار مكون من ثلاثة أجزاء، ومقابلة، حتى إنه في أحد الأعوام تقدم للمنافسة ثمانية آلاف وخمسمائة لم يرشح منهم إلا 750 فردا.
الخصائص المطلوبة في المعلم ليست التمكن من مادة التخصص، كالقراءة، والكتابة، والعلوم، والرياضيات فقط، بل تشمل الاتجاهات نحو مهنة التعليم، ونحو الآخرين، إذ لا يمكن النجاح في مهنة التحق بها الفرد عن غير رغبة، أوكان مضطرا لها، نظرا لعدم توافر وظيفة أخرى له، كما أن من الخصائص المهارات في التعامل، والعرض، والشرح، والأمثلة الجيدة، وإجادة استخدام التقنية التي أصبحت ضرورة في وقتنا الراهن، بل أصبح الجيل الجديد يتعامل معها بشكل أفضل من الكبار؛ لجاذبيتها لهم، وسهولة تعاملهم معها.
خاصية التواصل البصري، والحسي، وإقامة العلاقات الجيدة مع الطلاب، وأولياء الأمور، وزملاء العمل، والعمل بروح الفريق الواحد معهم تمثل خاصية جوهرية لمن يعمل في حقل التعليم، فالانفتاح على الآخرين، وتجاذب الأفكار، والرؤى معهم، وأخذ مشورة الزملاء في تنفيذ فكرة من الأفكار تمثل أمرا أساسيا للاستفادة من خبرات الآخرين كما أن الانفتاح على أفكار المجتمعات الأخرى، وتجاربها يمكن المعلم من مسايرة الجديد في المعرفة، والوسائل، والاستراتيجيات، وهذا لا يتأتى إلا بتطوير المعلم من خلال التحاقه بالدورات، وورش العمل، وحلقات العصف الذهني، لما في هذه من البعد عن التقوقع في مساحة تفكير ضيقة، ومظلمة.
دافعية المعلم العالية خاصية لازمة لأداء العمل بالصورة الجيدة، ويمكن تحقيقها بشعور المعلم بأهمية الرسالة التي يؤديها خدمة للدين، والوطن، ويمكن شحذ الدافعية بجعل المعلم في أعلى السلم الوظيفي، وهذا حقه، فكل التخصصات في جميع المجالات تتخرج على يد معلم، على أن هذا لا يعني عدم محاسبة المقصر متى ثبت ذلك من خلال تقويم أدائه، ونتائجه في الميدان، كما تظهر على طلابه.
إن ثقافة المجتمع، المتسمة بإدراك قيمة المعلم، ذات قيمة معنوية لا يستهان بها، فهي مما يحفزه على العطاء بكل ما يستطيع.
سلوك المعلم مع الطلاب، وأسرة المدرسة المتسم بالرفق وتجنب الفظاظة والرعونة يعكس القيم التي يؤمن بها المعلم، ولذا فإن جودة اختيار المعلم تتمثل في سلوك قويم يراعي قيم المجتمع، ويحافظ عليها، ويسعى إلى تثبيتها عند طلابه.

إنشرها