الاستقرار المالي والاقتصادي وسوق الإسكان

|

اقترنت إشادة صندوق النقد الدولي بما تم إنجازه حتى تاريخه بخصوص سوق الإسكان، بتحذيرات تطلب مواصلة مراقبة جودة القروض العقارية من كثب، والعمل إذا اقتضت الحاجة على خفض نسبة القرض العقاري إلى قيمة السكن "تبلغ الآن 90 في المائة لمشتري المساكن للمرة الأولى". ووفقا لما ذكره الصندوق أن أسعار العقارات سجلت انخفاضا منذ 2014 وصلت نسبته إلى 20 في المائة، واستمر أيضا انخفاض إيجارات المساكن من مطلع 2017، مرجعا ذلك إلى زيادة المعروض من المساكن نتيجة المبادرات الحكومية لبنائها بأسعار ميسرة، وإلى رحيل العمالة الوافدة ما أدى إلى تباطؤ الطلب على المساكن، لكن لم يدون التقرير وفريق العمل المنتج له، إن العقارات ذاتها سجلت ارتفاعا قياسيا خلال 2010 ــ 2014 وصل إلى أعلى من 116 في المائة، ما يعني أنه حتى نسبة الانخفاض التي ذكرها التقرير غير كافية على الإطلاق "لا تزال أسعار الفترة الراهنة أعلى بنسبة 64 في المائة مقارنة بمستوياتها في 2010".
وذكر الصندوق في الإطار رقم 6 الخاص بسوق الإسكان نصيا ما يلي: "وينبغي لصناع السياسات مواصلة تحري اليقظة إزاء المخاطر المالية ومخاطر المالية العامة المحتملة مع تطور سوق العقارات. فقد تؤدي التحركات الكبيرة في أسعار المساكن إلى عدم الاستقرار المالي والاقتصادي كما هو موضح في تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر في نيسان (أبريل) 2019. ويعد تعرض البنوك لمخاطر قطاع العقارات محدودا ــ فقد بلغت القروض العقارية 17 في المائة من إجمالي القروض المصرفية المقدمة للقطاع الخاص في نهاية 2018. وإلى جانب ذلك، غالبا ما تخصم أقساط القروض العقارية من الراتب مباشرة، ما يحد من احتمالات التوقف عن السداد. كذلك تضمن الحكومة عديدا من القروض العقارية الجديدة. لكن في المستقبل، ينبغي أن تواصل السياسات الاحترازية إيلاء اهتمام وثيق لسوق العقارات ويجب تحري الدقة في تقييم الأثر المالي لبرامج الإسكان بما في ذلك ما يتم من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص" تقرير صندوق النقد الدولي لمشاورات المادة الرابعة لعام 2019 للمملكة ــ صفحة 33.
التحذيرات التي صدرت من صندوق النقد الدولي في التقرير الأخير لمشاورات المادة الرابعة، ليست هي الأولى فقد سبقتها تحذيرات محلية منذ نهاية العام الماضي، وقف خلفها تصاعد وتيرة الإقراض بصورته الراهنة، وارتباطها بتصاعد عديد من المخاطر على القطاع التمويلي والاستقرار الاقتصادي.
إن الوتيرة المتسارعة جدا لضخ القروض العقارية، والمتوقع زيادتها مستقبلا، تعني في جانب بارز منها حلولا جاهزة وسريعة الأثر على جانب زيادة تملك المساكن لدى الأفراد، وتعني أيضا حدوث تطورات بالغة الأهمية في جوانب أخرى من الاقتصاد الوطني، وعلى مستوى حياة أفراد المجتمع، لا بد من أخذها في الحسبان، والاهتمام بها على القدر ذاته الذي حظيت به جوانب برامج زيادة معدلات تملك المساكن لدى الأفراد، وهو الأمر الجيد جدا أن تتم مناقشته ونحن في بداية طريق مختصر زمنيا قد لا يتجاوز ثلاث إلى أربع سنوات مقبلة، والعمل منذ اللحظة على استدراك أي مخاطر قد تنشأ تجاه أي متغير من متغيرات الاقتصاد الوطني، أو تجاه مؤشرات استقرار المجتمع السعودي.
يتجه التمويل أو الإقراض العقاري بوضعه الراهن، الذي يستقطع مستويات عالية من الدخل الشهري للمقترض "50 في المائة إلى 65 في المائة"، وفي ظل عودة أسعار الأراضي والوحدات السكنية إلى الارتفاع مرة أخرى، أؤكد أنه يتجه بنا جميعا نحو مواقع من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تستحق الاهتمام الأقصى وبذل كثير من جهود الدراسة والبحث. ذلك أنه سيؤدي بنا إلى ارتفاع حجم القروض العقارية بصورة قياسية خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز ثلاث إلى أربع سنوات، سيقف إجمالي قيمتها في نهاية تلك الفترة فوق سطح التريليون ريال! وسيتحول تقريبا نصف القوى العاملة الوطنية إلى مقترضين لقروض طويلة الأجل، تمتد إلى 20 عاما مقبلة وقد تصل أحيانا لدى بعض شرائح الأفراد إلى 25 عاما.
إننا ونحن نتحدث عن تلك الشرائح الكبيرة من الأفراد، التي سيتم استقطاع نصف دخلها الشهري فأعلى لمدد زمنية تمتد إلى 20 عاما و25 عاما، فالأمر هنا يتعلق بما سيتعرض له الإنفاق الاستهلاكي الخاص، الذي يمثل نحو 40 في المائة الناتج المحلي الإجمالي، الذي يمثل القناة الأهم للتدفقات النقدية الداخلة على جميع منشآت القطاع الخاص، ويمثل المصدر الأهم لإيراداتها، ما يعني بالضرورة أن أي انكماش في تلك التدفقات ستكون له انعكاسات جسيمة على استقرار تلك المنشآت، ما قد يضطرها إلى تقليص نشاطاتها وتقليص توظيف العمالة لديها، وسيتحول الأمر إلى منعطف أشد مخاطر؛ إن لجأت تلك المنشآت إلى إنهاء عقود شرائح واسعة من العمالة الوطنية لديها، وكلا الأثرين يحمل معه كثيرا من التحديات الجسيمة على كاهل الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.
فحينما تضعف قدرة القطاع الخاص على التوظيف، نتيجة لتقلص تدفقاته النقدية الداخلة، فهذا سيؤدي إلى زيادة مطردة في معدل البطالة، ويزداد الأمر تكلفة إذا ما لجأت منشآت القطاع الخاص نفسها إلى تقليص أعداد العمالة الوطنية لديها، ما سيؤدي من جانب إلى زيادة معدل البطالة وأعداد العاطلين، ومن جانب آخر سيؤدي ذلك في حال كان من أولئك الذين تم إنهاء عقودهم من العمالة الوطنية من يتحمل أعباء قروض عقارية! إذ يعني ذلك زيادة انكشاف القطاع التمويلي أمام حالات واسعة من التعثر عن السداد، وهذا منعطف بالغ الخطورة، ويجب تجنبه منذ اللحظة بأي حال من الأحوال. إنها ملفات بالغة الأهمية يجب أن تحظى بالاهتمام اللازم والكافي، الذي يستهدف حماية مقدرات البلاد والعباد، ويستوجب بذل الاهتمام والعناية الكافيين.
إننا نتفق جميعا على أهمية الهدف الاستراتيجي "رفع معدلات تملك المواطنين لمساكنهم"، إنما الاختلاف فقط على أي الطرق التي يجب خوضها وصولا إليه، وهي عديدة ومتنوعة، وتتسم بمستويات أدنى من حيث المخاطرة، سواء على القطاع التمويلي أو على مستوى الاستقرار الاقتصادي الكلي، أو على مستوى المحافظة على استقرار مداخيل الأسر والأفراد من المجتمع، ما يستدعي أهمية الاعتماد على تلك الخيارات الأخرى، التي سيؤدي العمل بها إلى توطيد الاستقرار المالي والاقتصادي والاجتماعي على حد سواء، وهو المأمول العمل به عبر تحريك وتنشيط الأدوات المتوافرة لدينا، التي ستسهم في خفض تضخم الأسعار المبالغ فيها حتى تاريخه لمختلف الأصول العقارية. والله ولي التوفيق.

إنشرها