صعوبة الإصلاح الاقتصادي

|


قرأت حديثا خبرين اقتصاديين: الأول يتحدث عن حاجة الحكومة السودانية إلى ثمانية مليارات دولار لإعادة البناء، والثاني يتحدث عن تأخر قطر في التوقيع على اتفاقية شراء طائرات التايفون البريطانية بسبب التأخير في التمويل "تم التوقيع أخيرا". الأولى فقيرة والثانية غنية بجميع المقاييس الاقتصادية والمالية المعتادة. هذا التباعد في الظروف والأغراض والمرحلة والحجم واختلاف طبيعة الإشكالات جعلني أفكر في الأولويات والصعوبات وحقيقة أن كليهما لم يحقق اختراقا تنمويا "لم تسمح المياه والطاقة البشرية للسودان بالتطور، ولم يمكن الغاز قطر من التنويع والاعتماد على المواطن القطري"، فلا كثرة المال أو قلته سبب للنجاح. في أي نقاش حول الإصلاحات الاقتصادية أيا كانت غالبا نواجه نقطة البداية، هذه نقطة مهمة لأنه سرعان ما يبدأ نقاش إلا ويسترجع هذا الطرف أو ذاك الخلفية التاريخية ونقطة البداية والحالة آنذاك وما يترتب على الخيارات الممكنة. للصعوبة عدة مصادر وأسباب لكننا نادرا ما نفكر في البيئة العامة للخروج بعوامل مشتركة، ما يجعل الإجماع إما ضعيفا أو غير موجود. هذا جعلني أفكر في العوامل المشتركة لإيجاد المرجعية، إذ دون مرجعية تتبدد الجهود ويصعب الإجماع على السياسات.
أولى نقاط الخلاف المرجعية تبرز في عدم التفريق بين التحديات التنموية والمسائل الاقتصادية وما يتبعه أحيانا من خلط بين إدارة المالية العامة وقيادة الفعاليات الاقتصادية وما يترتب على هذا الخلط من خلط آخر بين المديين البعيد والقصير وبين المصالح الضيقة والعامة. ثاني نقطة تأتي في فضاء الاقتصاد السياسي إذ سرعان ما يستهدف البعض التوزيع قبل تكبير القرص للجميع، ما يجعل القرص صغيرا لا يكبر أبدا، يترتب على ذلك خلط آخر سرعان ما ينتقل إلى ميدان السياسات، حيث يبدأ خلط آخر بين الاستهلاك والاستثمار. نقطة ثالثة تأتي من التهاون في مضامين الرسائل الاقتصادية التي تصل الجميع -الأفراد ورجال الأعمال والطبقة التكنوقراطية- يترتب على ذلك عدم انخراط الجميع للأهداف نفسها وأحيانا الشك وعدم الثقة وقلة اليقين. النقطة الرابعة تأتي من مدى الحاجة إلى تفادي التشبيهات والتقليد السطحي، فهناك مفاهيم وتنظير اقتصادي كثير سرعان ما يضلل كثيرا. فمثلا كثير لدينا يستنجد بتجربة ماليزيا لكنه لا يريد ذكر أهم ظرف سكاني -أغلب العاملين في القطاع الخاص من الصينيين والهنود بما لديهم من ترابط وتعاون مع مواطنهم الأصلية المؤثرة اقتصاديا وبشريا، بينما الماليزيون الأصليون يعملون في القطاع العام. النقطة الخامسة أن نخب هذه الدول نادرا ما تفرق بين الدراسة والنصيحة الاقتصادية، هذا الخلط تنتج عنه ظاهرتان، الأولى التردد في القرار بزعم قلة المعلومات وكان توافرها بدقة متناهية ممكنا، والثانية الاستعداد للاستعانة بالاستشارات الخارجية، سرعان ما يترتب على ذلك فصل بين دوائر المعرفة مثل الجامعات ومسؤولي القرار الفني وعدم توطين المعرفة وإضعاف المساءلة. هناك نقاط أخرى لكن في نظري هذه النقاط الخمس بعد توصيفها والوقوف عليها بدقة كفيلة بتأسيس إجماع تتمخض عنه منظومة سياسات قابلة للتنفيذ.
في نظري لا بد من مرجعية لتأسيس قاعدة انطلاق لأي نقاش حول السياسات الممكنة في الصناعة أو حتى التعليم ونقل التقنية كي نخرج بخطة عمل. هذه النقاط كافية مرحليا، سيكتشف كل مراقب أن كل هذه النقاط ليست جديدة وسبق الحديث عنها ربما من زوايا مختلفة وسياقات متنوعة حسب طبيعة الطرح، لعل الجديد جمعها والنظر لها من ناحية إطارية وتكاملية. الإشكالية الثقافية والفكرية أنه يمكن تمييع كل نقطة إلى حد توظيفها شعاريا دون مضمون عملي. لذلك ليس هناك بديل عن الجدية والتجريب والمساءلة.

إنشرها