FINANCIAL TIMES

إندونيسيا .. جهود لتحصين السوق المحلية ضد «عقلية القطيع»

ظهور علامات على هروب مستثمري الأسواق الناشئة مرة أخرى إلى بر الأمان يسلط الضوء على الجهود التي تبذلها إندونيسيا لتوطين سوق السندات المقومة بالروبية.
تعتقد إدارة الرئيس جوكو ويدودو أن إقناع الإندونيسيين بامتلاك مزيد من الإصدارات المقومة بالروبية، سيحمي النظام المالي في البلاد من الانهيار في كل مرة تضطرب فيها الأسواق العالمية.
لكن من الأفضل أن تق ضي الحكومة وقتها في جعل إندونيسيا أكثر ملاءمة للاستثمار الأجنبي المباشر - بما في ذلك إصلاح قوانين العمل الصارمة بشكل مفرط - بدلاً من مواجهة التحدي الكبير المتمثل في إقناع مواطنيها بشراء السندات الإندونيسية.
هناك إجماع على أن الروبية ستكون أقل عرضة للتقلبات الحادة في تدفقات رأس المال، إذا كانت هناك إعادة توازن للملكية بعيدا عن المستثمرين الأجانب الذين، حتى حزيران (يونيو)، كانوا يملكون 39 في المائة من سوق السندات المقومة بالعملة المحلية التي تبلغ قيمتها 179 مليار دولار.
يعد هذا أحد أعلى المعدلات في آسيا، وقد ربطت أبحاث زيادة ملكية السندات من قبل المستثمرين المحليين بالعائدات المنخفضة والأكثر استقرارا. بالتأكيد تؤمن الحكومة بهذا الأمر. قالت سري مولياني إندراواتي وزيرة المالية، إنها تريد أن ترى قريبا نسبة الملكية الأجنبية تنخفض إلى 20 في المائة، معلقة آمالها على رغبة الطبقة المتوسطة المتنامية في إندونيسيا في الاستثمار في الأوراق المالية.
لكن هذا تفكير بعيد المنال، خاصة بالنظر إلى أن الاقتصاد المتعثر يحد من قدرة الإندونيسيين العاديين على زيادة مدخراتهم. ومن غير المرجح أن تتغير هذه النسبة على المدى القريب - على الرغم من المخاوف العالمية واسعة النطاق، إلا أن العوائد المرتفعة نسبيا في إندونيسيا تمثل عامل جذب قوي لمستثمري الأسواق الناشئة.
بدلا من ذلك، ينبغي للحكومة حماية الروبية من خلال متابعة الإصلاحات لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، التي تميل إلى أن تكون أقل من تدفقات المحافظ الاستثمارية.
على الرغم من أن الوقت مناسب بسبب خروج الشركات من الصين المتضررة من التعرفات الجمركية، إلا أن السياسة المتبعة في معالجة قوانين العمل في إندونيسيا مرهقة للغاية. بعد جهود العام الماضي لحماية سعر الصرف من التراجع - بما في ذلك 175 نقطة أساس تراكمية في ارتفاع أسعار الفائدة - تحولت السياسة مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الأمر الذي سمح للبنك المركزي الإندونيسي بالتركيز أكثر على النمو. أكد ذلك التخفيض غير المتوقع في أسعار الفائدة الشهر الماضي بمقدار 25 نقطة أساس، وهو التخفيض الثاني هذا العام.
من المرجح أن تبقى الروبية تحت الضغط طالما أن إندونيسيا والأسواق الناشئة الأخرى تواجه معوقات قوية، مثل انخفاض الصادرات وتباطؤ النمو في ظل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وتباطؤ الاقتصاد الصيني. هناك نقطة ضغط أخرى بدأت تنشأ في الوقت الذي من المقرر أن يشهد فيه تشرين الأول (أكتوبر) انتهاء حظر مدته ثلاثة أعوام على الأموال التي تعاد إلى الوطن بموجب برنامج عفو ضريبي. تمكن البرنامج الذي بدأ في أيلول (سبتمبر) 2016 واستمر حتى آذار (مارس) 2017، من جمع 147 تريليون روبية (10.3 مليار دولار) كان يحتفظ بها المواطنون الإندونيسيون في الخارج. هذا ليس مبلغا صغيرا، فقد بلغ متوسط تدفقات المحافظ الداخلة الفصلية 4.4 مليار دولار خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ناقشت الحكومة فكرة إصدار "سندات مغتربين" للإندونيسيين الذين يعيشون في الخارج والبالغ عددهم ثمانية ملايين شخص، لتشجيعهم على امتلاك السندات المحلية. على الرغم من أن هذه السندات قد تكون مماثلة لسندات التجزئة الإندونيسية، إذا كان لنا أن نسترشد بإقبالهم عليها، فلن يكون لها سوى أثر هامشي على إجمالي سوق ملكية السندات. يسيطر مستثمرو التجزئة الإندونيسيون على أقل من 3 في المائة من إجمالي الأوراق المالية التي تصدرها الحكومة، وهو معدل لم يتغير كثيرا منذ عام 2013 ـ العام الذي بدأ فيه حفظ البيانات.
المصارف هي أكبر حامل للسندات الحكومية، لكن حصتها انخفضت من 34 في المائة إلى 23 في المائة منذ عام 2013. وفي حين أن هذا يشير إلى أن المصارف تقدم قدرا أكبر من القروض للاقتصاد الحقيقي، إلا أنها تشير إلى بعض الضعف في رغبة الإندونيسيين العاديين في الادخار وقدرتهم على ذلك أيضا، وسط التحديات التي تواجه الاقتصاد. النمو في مدخرات الأسر السنوية كان يتراجع باستمرار على مدار الأعوام الخمسة الماضية.
بدلا من تركيز الاهتمام على نسبة الملكية الأجنبية، ينبغي أن تولي الحكومة مزيدا من الاهتمام إلى التدفقات الداخلة من الاستثمار الأجنبي المباشر. أحرز ويدودو بعض التقدم في جعل إندونيسيا أكثر انفتاحا على الأعمال التجارية. في عام 2018 قفز تصنيف الدولة في مؤشر "سهولة ممارسة أنشطة الأعمال التجارية" التابع للبنك الدولي إلى المرتبة 72 بعد أن كانت في المرتبة 114 في عام 2014، إلا أنها تراجعت إلى المرتبة 73 هذا العام، ما يشير إلى أن الإصلاح قد تعثر.
قال جون هاريسون، المدير الإداري لاستراتيجية الاقتصاد الكلي للأسواق الناشئة في "تي إس لومبارد": "إذا استطاعت إندونيسيا إيجاد طريقة لفتح اقتصادها أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، فإن هذا من شأنه أن يقلل الاعتماد على تدفقات المحافظ المالية الداخلة ويحد من مخاطر تمويل عجز الحساب الجاري".
لا تزال إنتاجية اليد العاملة تمثل عقبة كبيرة أمام الاستثمار والنمو الاقتصادي. انتهت طفرة تصدير الفحم في عام 2012 وانخفض معدل نمو إنتاجية اليد العاملة إلى 2.6 في المائة العام الماضي بعد أن كان 5.6 في المائة عام 2013، بسبب تباطؤ نمو فرص العمل وارتفاع معدلات عدم استغلال اليد العاملة كما ينبغي. انخفاض الإنتاجية دلالة على قانون العمل الصارم. تضطر الشركات في إندونيسيا إلى الاعتماد على العمال بعقود، لأنه يتم منعها من فصل الموظفين ما لم يكن الموظف متهما بقضية جنائية، وهي ملزمة أيضا بتقديم مكافآت نهاية خدمة سخية. تحاول الحكومة إصلاح قانون التعيين على الوظائف والإقالة منها منذ أعقاب الأزمة المالية الآسيوية، لكن تم إحباط محاولاتها بسبب الناشطين العمال.
بعد وقت قصير من فوزه بإعادة انتخابه في نيسان (أبريل)، قال ويدودو، المعروف باسم جوكوي، إنه "ليس لديه ما يخسره" في فترة ولايته الثانية، متعهدا بتخفيض الضرائب المفروضة على الشركات، وتنفيذ إصلاحات شاملة لقانون العمل، ورفع القيود المفروضة على الملكية الأجنبية. ومع ذلك، فإن التأخير في الإعلان عن أعضاء مجلس الوزراء الجدد، الذي كان يهدف إلى إظهار التزامه بالإصلاح، يشير إلى أنه لا يزال عرضة لخطر المقاومة السياسية.
قال مستشار اقتصادي للرئيس إنه سيتم تقديم مشروع قانون لمراجعة قانون العمل إلى مجلس النواب بعد تشكيل حكومته، لكن المحللين غير متفائلين.
مقاومة التغيير شديدة، ولدى مجلس النواب تاريخ سيئ في إصدار التشريعات، ومع انتهاء قانون الاستقلال الذاتي الخاص لبابوا في عام 2021 والخطط لنقل العاصمة الإندونيسية، فإن جوكوي يفكر في أشياء أخرى. قالت آريا فرناندز، المحللة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في جاكرتا: "أعتقد أنه سيكون من الصعب على الحكومة الضغط من أجل مراجعة قانون العمل".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES