أوقفوا الحملة المناوئة للسان الضاد

|


يدور جدل واسع في بعض البلدان العربية حول دور اللغة العربية في الاحتواء والتعامل مع العلوم والمعرفة الحديثة. ويؤسفني أن أقول إن هناك من يشك في سعة هذه اللغة الساحرة وإمكاناتها غير المحدودة ليس لنقل المعرفة الإنسانية بل العمل وسيطا فاعلا لتدريسها والكتابة بها.
متى تصبح الأمم على الهامش؟ الأمم تصبح على الهامش عندما يخبو شعاعها وتضمحل مساهمتها في التأليف والتدريس والنشر بلغتها الوطنية.
والعربية ليست أبدا لغة محلية أو وطنية شأنها شأن أي لغة أخرى. إنها التاريخ والحاضر والوجود بالنسبة للعرب.
ودعني أكرر مرة أخرى، أن العرب ليسوا إلا لغتهم إن فقدوا لغتهم، فقدوا أنفسهم ومعهم كل جزء من تراث وإرث وحضارة في إمكانهم التباهي بها أمام الأمم حتى هذه اللحظة؛ هذا إن حافظوا على الوسيلة التي بواسطتها وصل إليهم هذا التراث الهائل، وهو لسان الضاد.
لن أسرد أي أسماء لأناس أو دول أو مناطق تشن بين الفينة والأخرى هجوما غير مبرر وغير منطقي أو عقلاني على اللغة العربية. وما يحز القلب ويفطر الكبد أن يأتي هذا الهجوم من عرب بعضهم في موقع المسؤولية.
العربية ليست لغة عادية بالنسبة للعرب. هي الوجود أو عدمه. لن أجتر ما يردده كثير من المثقفين من أنها لغة القرآن والحديث والشعر ولن أعقب على أن سماتها البلاغية قد لا تمتلكها أي لغة أخرى.
كلغوي، أرى أن اللغات لها طاقات كامنة وكلها في إمكانها تأدية المهمة التي تقوم بها اللغات القوية والمؤثرة والشائعة.
اللغة تعكس الحال والواقع، الواقع المهمش يهمش لغته وينظر إليها بعقلية التخلف ويستجير بالدخيل والأجنبي هذا ليس بسبب تخلف لغته بل لتخلفه كمجتمع.
القول إن اللغة العربية "لغة ميتة" يعكس أن صاحب القول ولو أنه يعيش لكنه ميت ويعكس أن المجتمع الذي يمثله يعيش لكنه ميت.
والدعوة إلى إقصاء العربية جانبا والالتجاء إلى اللغة الفرنسية أو الإنجليزية أو أي لغة أخرى يعكس ضعف الحيلة والحول والقوة والتخلف في اللحاق بركب الحضارة. والسبب واضح: صاحب القول يعتقد أن الحالة غير الحميدة التي هي ومجتمعه فيها سببها اللغة العربية لأنها لغة ميتة وأن الحال سيتبدل إلى حال أفضل بمجرد استبدال اللغة.
هذا منطق أعرج يفنده البحث العملي والأكاديمي وواقع الحال في المجتمعات المتمدنة والمتطورة تكنولوجيا.
العلم والفكر الإنساني النير يقول إن استبدال اللغة لن يؤدي إلى الازدهار ورفع شأن التربية والتعليم والمعرفة. التمدن والحضارة والرفاهية وامتلاك ناصية العمل والمعرفة تصنعه الشعوب وليست اللغات.
فقط المهمشون والواقفون على سفح الهاوية ضمن الإطار الحضاري والفكري يتصورون أن لسانهم سبب حالهم.
اللغة تعكس حال الشعوب والشعوب هي التي تعكس لغتها. تموت اللغات عندما تموت الشعوب الناطقة بها وتحيا اللغات عندما تحيا الشعوب الناطقة بها. عندما هب العرب لامتلاك ناصية العلم والمعرفة والدخول في الحضارة الإنسانية من أوسع أبوابها، كانت لغتهم الوسيلة التي اتكأوا عليها.
لو يعرف الذين يهمشون اللغة العربية اليوم ما فعله لسانهم في غضون قرنين فقط من الحكم العباسي لخجلوا مما آل الوضع إليه ووصل إلى درجة أن بعضهم يعزو ما هو عليه من حال يرثى لها إلى لسان الضاد.
هل يعرف هؤلاء الناس أن هذا اللسان الذي كان نطاقه في حينه لا يتجاوز علوم القرآن والحديث "القرن السابع وما بعده" وسع علوم الدنيا.
حجم الترجمة إلى العربية في حينه (نحو 200 عام فقط) يرقى إلى مصاف المعجزة حتى بمعايير العصر الحديث. لم يبق كتاب في الفلسفة والطب وشتى المعارف اليونانية والفارسية والسريانية والهندية إلا ونقله العرب إلى لسانهم الساحر الذي مع الأسف الشديد يستهجنه بعض العرب اليوم. أما في مضمار التأليف والتفسير في شتى العلوم المعرفية فحدث ولا حرج.
ماذا دهاكم؟ بدلا من البحث عن أسباب ومسببات الوضع المؤسف الذي تعانيه الشعوب العربية في عدم لحاقها بركب الحضارة والتمدن، ترمون سهامكم على أعز ما بقي لكم، وهو لسانكم.
انظروا إلى دولة صغيرة بحجم آيسلندا؟ فيها عشر جامعات لسكان لا يتجاوز عددهم 350 ألف نسمة. الكل يتباهى باللغة الوطنية الآيسلندية واللغة الوطنية هي لغة التدريس في الجامعات.
هل تعلمون أن آيسلندا تبز العالم اليوم في بعض الحقول المعرفية ومنها الهندسة الوراثية؟ هل تعلمون أني لم أقرأ يوما أن آيسلنديا واحدا تذمر من أن لغته قاصرة عن اللحاق بركب الحضارة والتمدن.
هذا البلد الصغير يكتب وينشر بلغته ويترجم إليها ربما بحجم ما يتم تأليفه وترجمته ونشره من قبل أغلب الدول العربية مجتمعة؛ وإن أخذنا نسبة السكان بعين الاعتبار نكون أمام تباين بينه الأرض والسماء.
حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية، كل عشرة أشخاص في آيسلندا يؤلفون (ينشرون) كتابا واحدا في السنة. وبحساب بسيط، هذا يعني نحو 35 ألف عنوان في السنة.
العلة في الناطقين بالعربية وليست اللغة العربية. ولن يغير الله مكانة وتأثير وسمو لغة حتى يغير ناطقوها ما بأنفسهم.

إنشرها