FINANCIAL TIMES

انطباعات صحافي شاهد عيان يقول: وداعا بروكسل

لم يكن من المفترض أن يساورني الشعور بالرغبة في البكاء، جراء مفارقة بروكسل. على الإطلاق. عندما وصلت إلى هذه المدينة عام 2011 للانضمام إلى مكتب صحيفة فاينانشيال تايمز، المكون من أربعة أشخاص، كانت وظيفتي هي تغطية تعقيدات تنظيم السوق الأوروبية الموحدة.
لم يخطر ببالي قط أن عملي كمراسل صحافي يكتب عن الاتحاد الأوروبي سيغمرني بالعاطفة أو يتركني منفعلا جسديا.
على أن هذا بالضبط اتضح هو أنه ما تفعله أزمة الهجرة.
كذلك لم أتوقع رؤية صحافيين مخضرمين من اليونان، يبكون أثناء مؤتمر صحافي. على كل حال، ليس في الوسع لومهم.
لقد كانت أثينا في تراجعها وقت الاستفتاء لما بعد خطة الإنقاذ عام 2015، عاصمة ذات حكومة بلا هدف، فيما كان اقتصادها المنهك يتلقى ضربة عنيفة أخرى.
بكاء ميركل: هذا ليس عدلا
هذا الضغط الخانق الناتج عن أزمة منطقة اليورو، بلغ في إحدى المراحل المدى الذي دفع بالدموع إلى أعين حتى المستشارة أنجيلا ميركل، الناجية السياسية الوحيدة من هذه العقد من الاضطرابات الأوروبية.
Das ist nicht fair "هذا ليس عدلا" كما قالت مخاطبة مجموعة من قادة العالم أواخر عام 2011، عندما تعرضت لضغوط جمة منهم، من أجل تقديم مزيد من الأموال لتمويل جدار الحماية المالي لحماية أسواق الدول الأعضاء الأضعف ضمن منطقة اليورو.
تشتهر بروكسل بكونها مركزا مفترضا لبيروقراطية جافة، نائية عن مشاعر كبار السن التي تمارس تأثيرا يشبه الماضي غير المرغوب فيه من قبل إدارة غير منتخبة، وإن لم تستحق قط هذا الوصف.
ها هنا المكان الذي تتقارب فيه الخيوط الخام المتشابكة لسياسة القارة. إنه المكان الذي يحتجز فيه القادة المحرومون من النوم في غرف الاجتماعات، أحيانا لعدة أيام.
إنه المكان الذي يتم فيه الضغط على مشكلات أوروبا الأصعب، وسحقها إلى أن يصبح الضغط مرتفعا، على حد تعبير أحد المخضرمين في إحدى القمم:"أصبحت السياسة سائلة" أو تتحول إلى ما يشبه مسلسلات درامية فائقة حيوية.

بروكسل.. مصنع إجراءات أم غابة أوروبية؟
ما لا يمكن إنكاره، أن هذا أيضا هو المكان الذي تم فيه اعتماد 45530 "إجراء قانونيا" خلال فترة الأعوام الثمانية التي قضيتها في بروكسل علاوة على تنفيذ القرارات، والاتفاقيات الدولية، والتوصيات، كبيرها وصغيرها.
لقد كان معدلا مذهلا بلغ 15 قانونا يوميا، أكثر من واحد لكل مسؤول في المفوضية الأوروبية وبعيدا جدا عن موقعي السابق في تغطية السياسة في وستمنستر الذي كان يتحرك بوتيرة ذات سرعة ثابتة، إلى حد كبير.
هكذا وضع يمكن أن يكون عملا محيرا بالنسبة إلى الصحافيين والمسؤولين على حد سواء.
في مذكراته، وصف السير ليزلي فيلدينج، الذي وصل في السبعينيات إلى بروكسل، وكان من أوائل البيروقراطيين البريطانيين في إدارة الاتحاد الأوروبي إجراءات بروكسل بأنها: "غابة أوروبية" كانت "مليئة بالفخاخ للمتهورين، وحفر الثعابين لغير المرحب بهم".
هذا المشروع في صنع القواعد التي لا تحصى دائما ما كان بمنزلة حبكة جانبية للرواية.
الكفاءة السياسية تظهر فعلا في قاعة اجتماعات المجلس الأوروبي، عادة بعد حلول الظلام، عندما يجلس قادة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للعمل.
خلال الاجتماعات الـ53 التي شهدتها لم يقدم كتاب القواعد في الأغلب أي إجابات.
توابع الأزمة المالية هزت منطقة اليورو في صميمها؛ وأكثر من مليون شخص دخلوا الحدود يطلبون اللجوء السياسي؛ وأطلقت النار على الناس في أوكرانيا إبان الاحتجاجات التي رفع فيها علم الاتحاد الأوروبي.
على حد تعبير لوك فان ميدلار، المسؤول السابق في الاتحاد الأوروبي فإن هذه الأنواع من المشكلات تتطلب الاختبار النهائي للقيادة: "الارتجال".
كصحافيين، كنا نقضي الساعات، بل وحتى الأيام، في انتظار انتهاء القمم. كان هناك نحو ألفي صحافي من جميع أنحاء العالم، محتشدين في مبنى جوستس ليبسيوس، الذي سمي على نحو مناسب على اسم فيلسوف من القرن الـ16، أحيا كتابه الذي حمل عنوان: عن الثبات On Constancy أبعادا من المذهب الرواقي القديم.
كان البعض ينام في المكان الذي يمكنهم النوم فيه، الرأس على المكتب، أو منثنيا على الأرض، أو أن يكونوا متمددين بشكل مؤلم على أسرة هي في الأصل كراس متحركة مرصوصة جنبا إلى جنب.
كانت مهنتنا تعتمد على المستشارين "الخبراء" والسفراء المتسكعين في الممرات، الذين كانوا يتبادلون الشائعات بسهولة على الرغم من أنهم في الأغلب لم تكن لديهم معلومات أكثر مما لدينا، إلى أن يخرج القادة.
عندما كانت القضية مهمة حقا، كان الأمر يرجع إلى رؤساء الوزراء والرؤساء وحدهم في تلك الغرفة.

"بريكست" نقطة فارقة
من بين جميع أزمات أوروبا يمكن القول إن أزمة "بريكست" غيرت طبيعة نسيج بروكسل أكثر من أي أزمة أخرى.
لم يكن الأمر مفاجئا، بل علاقة تدريجية، حيث ابتعدت ثالث أكبر دولة عضو في الاتحاد الأوروبي عن مركز القوة في الاتحاد.
في هذه الرحلة، لا أتذكر سوى مجموعة صغيرة من القمم؛ بعضها كانت تبدو تاريخية على الفور، بينما هناك أخرى لم تكتسب تلك الأهمية إلا مع مرور الوقت.
كانت الساعة الخامسة صباحا. الجميع شعر بالدوار، بلا نوم لكن كانوا منتبهين.
حدث شيء كبير في القمة. كانت المؤتمرات الصحافية على وشك أن تبدأ بدافع الفضول، سرت إلى نهاية الممر، حيث كان الباب مفتوحا بشكل جزئي قليلا.
حتى هذا اليوم ما زلت لا أعرف لماذا كان في تلك الغرفة الجانبية.
كان نيكولا ساركوزي، يظهر ثقة بالنفس، حيث كان يشتعل حماسة، في الوقت الذي ظهر فيه فريقه. مشى الرئيس الفرنسي بخطوات عريضة إلى مؤتمره الصحافي مثل ملاكم محترف، متوهجا بالنصر.
في الوقت نفسه، في غرفة بريطانيا، انتظر الصحافيون بصبر ديفيد كاميرون. استغرق ظهوره نحو الساعة.
وصل رئيس الوزراء البريطاني إلى القمة معتقدا أنه يتمتع بالنفوذ. منطقة اليورو كانت تعاني متاعب عميقة.
وكانت بريطانيا هامشية بالنسبة إلى الأزمة، إلا أن أنجيلا ميركل كانت بحاجة إلى دعم كاميرون، لتغيير معاهدة من شأنه تشديد القواعد المالية العامة لجميع أعضاء العملة الموحدة -جرعة من الانضباط لتهدئة مخاوف الناخبين الألمان، في مواجهة سلسلة من خطط الإنقاذ المكلفة، ومن أجل طمأنة الأسواق المالية المتقلبة.
جناح حزب المحافظين المناهض للتكامل الأوروبي توقع فوز بريطانيا بشيء ما مقابل ذلك الدعم لألمانيا.
كانت شروط كاميرون مرتفعة، حيث أصر أنه لن يوافق على المعاهدة إلا إذا حصل على امتيازات للاحتفاظ بحق السيطرة، على طريقة تنظيم الحي المالي في لندن.
بيد أنه فشل بشكل مذهل. المخضرمون في بروكسل يتذكرون الأمر على أنه مثال بارز على دبلوماسية القمة الفاشلة تلك الغرفة شهدت بعض الأخطاء الغبية المثيرة.
أمضى الفريق البريطاني أسبوعين وهو يتحدث إلى برلين فقط، بشأن قائمة طلباته. لم يحققوا أي شيء. بحلول الوقت الذي قدم فيه كاميرون مطالبه التقنية للغاية إلى القمة في الساعة 2:30 صباحا، كانت اللعبة قد انتهت.
بعض القادة اعتبروا الأمر أنه طلب فدية، من خلال السعي إلى تحقيق مكاسب وطنية تنتفع من متاعب منطقة اليورو وكل هذا لتخفيف عبء التنظيم على شركات الخدمات المالية في لندن، وهو القطاع الذي رأى كثيرون أنه ساعد في التسبب في الأزمة المالية العالمية في المقام الأول.

ساركوزي: لن ندفع لك يا ديفيد
"يا ديفيد، نحن لن ندفع لك لإنقاذ اليورو" هكذا صرخ ساركوزي.
قال كاميرون في وقت لاحق إنه كان: "يمارس حق النقض المتاح لي" على تغيير المعاهدة، بيد أنه لم يستخدم فعلا تلك الكلمات في الغرفة.
وافق بقية الاتحاد الأوروبي على إبرام صفقة جانبية معه، وهو ما يخالف الاتفاقية التي صاغها المجلس الأوروبي، لقد كان ذلك صدعا سياسيا حقيقيا.
إلى حد كبير أساء كاميرون فهم ميركل وقوة إصرار ألمانيا على تغيير المعاهدة.
المستشارة الألمانية وساركوزي دفعاه نحو معاهدة في المالية العامة اتضح، بعد مرور فترة زمنية، أنها رمزية في الأساس، من الناحية العملية، لا هي أنقذت اليورو (الذي من شأنه أن يتطلب قرارات في القمم وإجراءات من البنوك المركزية أكثر بكثير)، ولا هي كبحت الإنفاق العام في الدول الأعضاء.
ما حدث بعد ذلك عزز شعور بريطانيا والاتحاد الأوروبي بأنهما يسيران في مسارات متباينة. هزيمة كاميرون في بروكسل حظيت بهتافات التأييد في بريطانيا. بدلا من المعاناة، ارتفعت شعبيته بين الناخبين البريطانيين. بوريس جونسون، عمدة لندن في ذلك الوقت، قال إن رئيس الوزراء "ارتكب خطأ كبيرا"، بينما قالت صحيفة ديلي ميل إن "كاميرون الجريء" وقف في وجه "المتنمرين الأوروبيين".
مع صعود حزب الاستقلال البريطاني برئاسة نايجل فاراج، اتضح التهديد المتزايد للفرص الانتخابية للمحافظين، فبدأت دائرة كاميرون الداخلية في التفكير بجدية في شأن التعهد بإجراء استفتاء للبقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقد ظهر ذلك في البيان الانتخابي لعام 2015.
في أيار (مايو) من عام 2014، انتصر حزب الاستقلال البريطاني في الانتخابات الأوروبية في بريطانيا، حيث فاز بنسبة 27.5 في المائة من الأصوات؛ وهي المرة الأولى التي يفوز فيها حزب آخر غير حزب المحافظين أو حزب العمال بانتخابات وطنية منذ عام 1906. كانت لحظة تنذر بالشؤم بالنسبة لكاميرون، كما أن النصف الثاني من العام لم يجلب كثيرا من الراحة.
في حزيران (يونيو) التالي، تم نقض تصويته بشأن ترشيح جان كلود يونكر رئيسا للمفوضية الأوروبية.
بعد نحو عقدين من الزمن كزعيم في لوكسمبورج، كان ينظر إلى يونكر من قبل كثيرين على أنه لم يعد في قمة عطائه، لا جسديا ولا سياسيا.
أعرب كاميرون عن مخاوف عدد من القادة، بما في ذلك ميركل، فقال: "لن ندع هذا يحدث"، كما أكدت له ميركل بشكل سري.
على أن السياسة الألمانية تحولت عقب ذلك، كما أن ميركل غيرت مسارها في التفاهم معه، وانتهى الأمر بكاميرون وحده، في تبني ذلك الموقف من يونكر.
قبل قمة حزيران (يونيو) التالي، كان كاميرون قد دعا هيرمان فان رومبوي، رئيس المجلس الأوروبي، إلى 10 داونينج ستريت.
الزيارة بالكاد كانت تستحق تذكرة قطار يوروستار. جرى الاجتماع بشكل سيئ لدرجة أنه لم يستغرق أكثر من نصف ساعة بقليل.
سأل كاميرون بغضب: "هل سيحدث نفس الشيء لفرنسا أو ألمانيا؟" وفقا لأحد الشهود.
بالنسبة إليه، لم تكن بريطانيا تعامَل مثل القوى الكبرى الأخرى في أوروبا؛ وكانت وجهات نظرها قابلة للتجاهل.
بحلول هذه المرحلة، عرف كاميرون أنهم غلبوه بشكل شامل، لكنه طالب بالتصويت على ترشيح يونكر لرئاسة المجلس الأوروبي، على أي حال، حيث فضل الفشل بشكل ساحق لتوضيح وجهة نظره.
أثناء مرافقة فان رومبوي أسفل سلالم داونينج ستريت، هاجم كاميرون الألمان بقوة. عند سؤاله ما إذا كان يشعر بأنه مخدوع أو مهجور، قال شخص على اطلاع بكلمات كاميرون القاسية: "كان الأمر أكثر صراحة من ذلك".
قمة في تشرين الأول (أكتوبر) التالي، بعد بضعة أشهر من ذلك، كان من المفترض أن تكون روتينية لكنها أصبحت أكثر من ذلك.
عندما اجتمع القادة يومها، كشفت صحيفة فاينانشيال تايمز أن بريطانيا وجدت نفسها أمام مفاجأة برسوم تبلغ 1.7 مليار جنيه، هي حصة مساهمتها في موازنة الاتحاد الأوروبي، وهي واجبة الدفع خلال ستة أسابيع.
كانت مراجعة حسابية فنية للمساهمات من البلدان، كما طلب أيضا من إيطاليا واليونان وقبرص وهولندا دفع مبلغ إضافي.
على أن الطابع السياسي للموضوع كان شديد الانفجار.
منذ أن ذهبت مارجريت تاتشر إلى إحدى القمم وطالبت "باستعادة أموالنا"، كانت موازنة الاتحاد الأوروبي تعد اختبار قوة لرؤساء الوزراء من حزب المحافظين.
السبق الصحافي الذي حققناه ظهر على الصفحة الأمامية في خمس صحف في بريطانيا في تلك الليلة. كاميرون "الغاضب بكل ما في الكلمة من معنى" رتب لقاءات مع قادة آخرين على عجل.
ثم أعلن في مؤتمر صحافي: "إذا كانوا يعتقدون أنني سأدفع تلك الفاتورة ... فإنهم مخطئون".
اشتبه البعض بعملية خداع من الاتحاد الأوروبي في هذا التسريب. أعطاني مصدري في الواقع الوثيقة ردا على سؤال مختلف، غير مدرك للصدمة التي يحتويها.
كصحافي محترف شعرت بالإثارة. كان التوقيت رائعا، والموضوع صحيحا.
على أن استطلاعا للرأي أجري بعد أسبوع، أظهر أن تأييد مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي تقدم بنحو تسع نقاط، بشكل غير متوقع. الآن بعد النظر إلى الوراء، كنت بالطبع سأكتبه مرة أخرى.
الواقعة أكدت كيف لا يمكن أبدا التنبؤ بالطريقة التي تتحرك بها المواضيع الصحافية.
على الهامش، كانت هناك أشياء أكبر تحدث في تلك القمة. أثار كاميرون مع ميركل فكرة: "كابح في حالة الطوارئ" لمبدأ تأسيس الاتحاد الأوروبي لحرية الحركة – فقد أراد فرض قيود على وصول المهاجرين من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا. كانت تلك محاولة كاميرون لحماية جناحه اليميني من هجمات حزب الاستقلال البريطاني.
لمرة واحدة، كانت المستشارة الألمانية واضحة بشكل لا لبس فيه: "لا، لا، لا".
وفقا لأحد الشهود، سألَتْ ميركل عن سبب كون الهجرة مشكلة بالنسبة إلى كاميرون، حيث قالت إنها ستكون سعيدة بوصول مزيد من العاملين.
انتهى الأمر بكاميرون في النهاية إلى استكشاف حلول أخرى أسهل "لمشكلته"، التي تشمل بشكل أساسي تعديلات على نظام المزايا البريطاني، لتقليل جاذبية الانتقال إلى بريطانيا من أجل العمل. كانت هناك مشكلة بانتظار الزعيمين.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES