ثقافة وفنون

النخب الثقافية .. غياب رسخته التقنية وعزلة المثقف

يقول جبريال جارثيا ماركيز "إن لحظة من الظلام لا تعني أن الناس قد أصيبوا بالعمى".. ربما حديث ماركيز عن دور النخب في التغيير لا يزال ينطبق تماما على حال النخب الثقافية اليوم، الذين تصنفهم دراسات حديثة واتهامات بأنهم لم يعودوا يحركون الشارع، أو يغيرون في سلوكياته وثقافته، كما هي الحال في القرنين الـ19 والـ20.

طبقة توجه وتنتقد
ظهر مصطلح النخب الثقافية بشكل شائع في القرن الـ19، حيث ظهر بداية في بولندا بمعناه الاجتماعي، وهي طبقة اجتماعية تشارك في عمل ذهني معقد يهدف إلى توجيه ونقد، أو لعب دور قيادي في تشكيل ثقافة المجتمع وسياسته، وتشمل الأكاديميين، الكتاب، الصحافيين، الفنانين، المعلمين، وبشكل أوسع المثقفين.
أما أفلاطون فكان له السبق في استخدام كلمة السبق للمرة الأولى حينما تحدث عن طبقة الحكماء، كما استعملت كلمة "النخبة" في القرن الـ17 لوصف سلع ذات تفوق معين، وامتد استعمالها فيما بعد ليشمل الإشارة إلى فئات اجتماعية متفوقة؛ كالوحدات العسكرية الخاصة أو الطبقات العليا من النبلاء.
تسهم هذه الطبقة في تقدم المجتمع وتنميته وتطوره، ودورها محط جدل كونه لم يكن إيجابيا في حالات تاريخية كثيرة، إلا أن هذه النخب لا تزال حية في مجتمعات كثيرة، وتعيش عزلة في المجتمعات العربية، و"معطلة ثقافيا" بشكل شبه كلي، بحسب واسيني الأعرج الأديب الجزائري، الذي وثق هذه الحالة في مقال له، وقال "إنها تجد نفسها أمام مأزقين؛ الأول يتلخص في كونها لا تنتج معرفة مواكبة لمعضلات العصر الذي تعيشه، لأن أطروحاتها كثيرا ما تكون مرفوضة، أما المأزق الثاني فهو أنها حين تتجاوز صعوباتها الوجودية وتنتج هذه المعرفة، فهي لا تصل، لأن قدرة الاستيعاب الجماهيرية محدودة، وغير مهيأة لأي تغيير في الذهنيات، ولا يعود السبب في ذلك إلى مشكلة الأمية وحدها، لكن إلى غياب الاستراتيجيات، والوسائط التنظيمية التي تنقل المنتج المعرفي.

الحتمية التقنية
يقول عبدالله رجب المهتم بالشأن الثقافي "إن التكنولوجيا، أو ما يسمى بنظرية "الحتمية التقنية" التي تفترض أن التقنية تسهم في تطوير بنية المجتمع وقيمه الثقافية، هي أحد الأسباب التي أدت إلى "تهميش" النخب الثقافية، فوسائل التواصل الاجتماعي مثل "تويتر" و"فيسبوك" وغيرها أدت إلى ظهور نخب بديلة، آتية من خارج المجتمع الثقافي، وتؤدي الدور المناط بـ"النخب الثقافية"، فلم تعد النظرة الشمولية للمثقف هي المتحكم في المشهد اليوم، إنما مشاهير على وسائط التواصل الاجتماعي تحركهم في بعض الأحيان المصالح الضيقة، وتؤدي آراؤهم إلى زعزعة الاستقرار، وهدم هوية المجتمع".
وأضاف رجب في حديث لـ"الاقتصادية"، "النخب الثقافية تعيش في بعض الأحيان عزلة اختيارية، إذ تقف على مرمى حجر لتشاهد الموقف من دون أن تحدث تغييرا فيه، كما أنهم لا يربطون مشروعهم الثقافي بالتحديات المعاصرة والمشكلات الحياتية مثل التطرف الفكري ومبادئ التسامح، ونبذ العنصرية والتعصب والكراهية، والرقي الاجتماعي والثقافي، والأفكار الجديدة القادمة من الغرب".
ويرى أن هناك مشكلة يواجهها المثقف ممثلة في تسطيح الوعي لدى المجتمع، وهجرة بعض النخب إلى الخارج، مستشهدا بدور النخب الثقافية في الثورة الفرنسية، وغيرها من التحولات التاريخية التي أدت فيها أدوارا مهمة، فيما لم نشهد عربيا تحولات تاريخية أسهمت فيها النخب الثقافية، بل كانت كالمراقب الذي ينتظر حدوث التحول ليتأقلم معه.

هل انتهى زمن النخبة؟
يقول الأديب عبدالله رجب "إن النخب كانت فيما مضى أمرا طبيعيا، فعلى سبيل المثال؛ كانت القراءة والكتابة فعلا نخبويا، لا يفعله سوى 2 في المائة من الناس، واليوم باتت أمرا طبيعيا، وفي عصر تقنية المعلومات، لم يعد من يقيّم وينتقد ويكتب ويشارك برأيه هم النخبة الثقافية، بل بات كل من يملك حسابا إلكترونيا على هذه المنصات يشارك في صناعة القرار، وبالتالي يرى علماء أن هذه التقنية قد تنهي زمن النخبة الثقافية، وهو مؤشر خطير، إذ أصبح العامة والمدونون يشاركون في المواضيع كافة، بعلم ودراية أو من دونهما، التي كانت محصورة فيما مضى في مجموعة من العلماء والأكاديميين أو المثقفين والمتخصصين".
ويضيف رجب لـ"الاقتصادية"، "رغم أن هناك نظريات في علم الاجتماع وأطروحات تناقش نهاية عصر النخبة، إلا أنه يجد ذلك مستبعدا، لأنه رغم مشاركة الجميع في عملية صنع القرار، تبقى هناك مجموعة أو "نخبة" ممن يقودون عملية اتخاذ الآراء، ويقودون الجماهير بشكل أو بآخر، ذلك بناء على تاريخهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ومدى مصداقيتهم وتأثيرهم في المجموعات حولهم، وكلما كانت هذه المجموعات أكبر، صُنِّف من النخبة المؤثرة".
الاعتراف بداية التصحيح
غياب النخب الثقافية من أكثر الملفات الثقافية إثارة للجدل، ويرى مثقفون أن عودة النخب إلى دورها الحقيقي المؤثر تبدأ بالاعتراف بالقصور ومراجعة الذات.
ففي كتابه "أزمة النخب العربية: الثقافة والتنمية"، الصادر عن مؤسسة الرحاب الحديثة، يقول الدكتور حسن مسكين "من الطبيعي أن يقف المثقف وقفة تأمل ومراجعة للذات، يقدم فيها حصيلة إنتاجه، ومواقفه وتصوراته، ويجيب عن أسئلة حاسمة، من أبرزها: لماذا لم تستطع تلك الأفكار والنظريات والمواقف أن تغير شيئا في مجتمعه؟ ولماذا تلاشت تلك الرؤى التي كان يبشر بها، ويصر على أنها قريبة التحقق؟ ولماذا فقد فاعليته في الإنتاج والتأثير والتغيير؟"، ويضيف "أما آن للنخبة المثقفة أن تعود لتمارس دورها في التوعية والمبادرة والتوجيه؟ أما آن لها أن تتخلى عن دور المتفرج، بعد أن استقل معظم روادها، واكتفوا بلعب دور المشاهد أو المهزوم الذي أعلن استسلامه الكامل من كل ما له علاقة بالفكر النقدي، والثقافة البناءة، والمشاركة الفعالة؟ أم أنه استكان للراحة الشاملة، فأعفى نفسه من مسؤولية اختياره طوعا، ثم ما لبث أن تنازل عنها مجبرا أم طوعا؟". ويعد الدكتور حسن مسكين من المفارقات المميزة للمثقف العربي رغبته الملحة في التغيير، لكن ذلك يكون من منطق الوصاية لا المحاورة؛ من خلال فرض حقائقه الثابتة، وهو يهدف إلى التأثير في العامة، وعينه على الخاصة في الوقت نفسه، ويقول بالانتماء إلى العامة، وفي ذاته الداخلية إحساس بالفوقية والتعالي على العموم.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون