ثقافة وفنون

آلان دو بوتون .. مؤسس «مدرسة الحياة»

يرى أبيقور الفيلسوف اليوناني أن دور الفلسفة هو إعانة وإرشاد الأفراد وهم يبحثون عن السعادة الحقة، وعن ذلك قال "كما لا يكون للطب أي نفع عندما لا يتخلص من العلة الجسدية، ستكون الفلسفة غير ذات نفع إلًَّم تتخلص من معاناة العقل". لكن أطروحة أبيقور هذه لم تعد ذات شأن في هذا العصر، بعد أن أضحت الفلسفة أقل شأنا مما كانت عليه في سالف الأزمان والحقب. فالكل بات منخرطا في دوامة الحياة اليومية، بما تفرضه من إيقاع خاص له نسق تفكيري معين، قضى على التنوع الفكري الذي يعد حاضنة للأسئلة الفلسفية.
في هذا الخضم، برزت إلى الواجهة أسماء تحاول قدر المستطاع - كل من زاوية نظر خاصة - إعادة الاعتبار للفلسفة، بتقريبها إلى التداول اليومي للأفراد، وبعث الحياة في المقولة الأبيقورية. رغم ما لقيه هذا الفصيل "بارت، فيري، سبونفيل، أونفري..." من نقد وتهجم، واتهام بالشعبوية والتهريج، واللهث وراء منطق السوق والإعلام؛ أي الخضوع لمبدأ "ما يطلبه الجمهور".
آلان دو بوتون فيلسوف بريطاني معاصر ينتمي إلى هذه المدرسة، ويظهر ذلك من خلال النقاشات التي تثيرها مؤلفاته بشأن القضايا المعاصرة، كما شارك عام 2008 في تأسيس مؤسسة عالمية، أطلق عليها اسم "مدرسة الحياة" School of life، تهدف إلى تطوير الذكاء العاطفي، وإعمال السيكولوجيا والفلسفة والثقافة في الحياة اليومية. باختصار توجيه المعرفة إلى الحياة، لا المعرفة إلى غاية المعرفة ذاتها.
تبدو كتابات دو بوتون لأول وهلة أقرب ما تكون إلى أفكار مدربي التنمية البشرية، ممن يقدمون إلى زبائنهم حلولا سحرية، وعلبا جاهزة من التحفيز الذاتي، تصلح أن تكون حلا لكل الحالات والأوضاع والقضايا والمشكلات. لكن الإبحار في صفحات ما يكتبه الرجل يظهر أنه فضل الوقوف إلى جانب الإبداع والفردية والخروج عن الإجماع، فاختار طريقا صعبا، حيث يعمل في مسارين يبدوان ـ ظاهريا على الأقل – متناقضين. فهو يعيد إنتاج واستكشاف المعرفة الإنسانية الرفيعة في الفلسفة والأدب، ويعمل على صياغة ما استخرجه من رحلاته تلك في صورة مركزة ومبسطة للأذهان والأفهام.
لا يسعى مؤلف "الفن كعلاج" (2013) إلى تقديم أجوبة قطعية وحلول جاهزة لما يثيره من أسئلة وإشكالات بقصد تجاوز عقبات ومطبات الحياة، بقدر ما يرسم خريطة طريق، يضع ضمنها معضلات حياتنا المعاصرة في سياقها الإنساني الأشمل، ويرصد تطورها عبر أزمنة وأماكن متباينة، ما يساعد القارئ على تحديد صورة أوضح وأدق للمفهوم أو المشكلة التي يتم تناولها، ويعينه على إبداع نظرته الخاصة بناء على هذا الإلمام.
بين الفينة والأخرى، يصدم قراءه بمواقفه النقدية الحادة تجاه قناعات وظواهر ومواقف تطبّعنا معها، حتى أضحت بالنسبة إلى أغلبنا عادية ومألوفة، فيما هي عكس ذلك في ميزان النقد الفلسفي لدى فيلسوف الحياة اليومية. فالتعليم عنده صمم لتحصيننا من نقيصتين اثنتين: أننا لا نعيش فترة طويلة، تمكننا من معرفة كل ما يجب علينا معرفته في هذه الحياة، والثانية أن كل فرد منا يتسم بالغباء إلى حد ما.
لكن هذا لم يدفع الأفراد نحو مراجعة مواقفهم بهذا الشأن، فبحسب مؤلف "مباهج العمل" (2009) "ما زلنا انتقائيين في المجالات التي نرغب في تثقيف أنفسنا فيها. فنحن - على سبيل المثال - نقلق قلقا بالغا على من يدرس أبناءنا مادة الرياضيات، ولا نلقي بالا لمدى جاهزيتهم للتأقلم مع الحياة أو التوتر". ما يعني أن طاقاتنا موجهة في الأساس إلى الأسئلة المادية والعلمية والتقنية، لا إلى الأسئلة النفسية والعاطفية.
هذا التحيز المستمر والمتزايد عبر التاريخ البشري أثقل كاهلنا، حيث تزامن التقدم الإنساني الاستثنائي في المجالات المادية والتكنولوجية مع الركود النفسي. فنحن أقل حكمة من السومريين، ومختصين في تغيير أماكن إقامتنا. يعزى هذا الأمر بحسب صاحب "بنيان السعادة" (2006) إلى التعريف الجزئي الذي نستخدمه للذكاء، فهو من دون تمييز بين معان كثيرة أخرى، اعتقاد مفاده جمع الشهادات من جامعات مرقومة، والبراعة في حل المشكلات التقنية والتحديات التجارية.
من جملة مواقفه الفريدة، ما عبر عنه في محاضرة له "عن التشاؤم"، حين أكد أن التفاؤل مصدر الغضب وخيبات الأمل. فالمتفائل يعتقد أن العالم يجب أن يكون مثاليا وخاليا من البؤس وما إلى ذلك. بناء على هذا المعتقد، يرى أن التفاؤل غير صحي، لذا ينبغي تجنبه قدر الإمكان لنحظى بحياة جيدة. في المقابل يرى أن التشاؤم أمر صحي وجيد، فالمتفائل والمتشائم كلاهما يتمنى أن تأخذ الأمور في الحياة منحى جيدا على قدم المساواة، بيد أن الإدراك بأن الأمور قد تسوء، يجعل المتشائم أكثر براعة في ضمان النتائج الجيدة التي يحاول كل من المتفائل والمتشائم الحصول عليها في النهاية.
استعرض هذا الفيلسوف - في كتابه الظريف "كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك؟" (1997) عن هذا الروائي الفرنسي المعروف بصعوبة أسلوبه وتعقد عالمه - تسعة دروس إنسانية مهمة استقاها من حياة وسيرة مارسيل بروسيت. جاءت على غرار عنوان الكتاب في صيغة سؤال، من بينها؛ الدرس الثاني: كيف تقرأ ذاتك؛ الدرس الثالث: كيف تأخذ وقتك؛ الدرس الرابع: كيف تعاني بنجاح؛ الدرس السابع: كيف تفتح عينيك؛ الدرس التاسع: كيف تقلل من أهمية الكتب؟
كتب وحاضر وساجل دو بوتون كثيرا عن الحب، فأول مؤلفاته التي تعود إلى عام 1993 كانت عبارة عن رواية، اختار لها عنوان " مقالات في الحب"؛ تحولت في سنة 2010 إلى فيلم سينمائي، ثم عاد إلى الموضوع مجددا، قبل ثلاث سنوات خلت، فأصدر كتاب "دورة الحب" (2016)، وتبقى الخلاصة ذاتها هي أن "الحب مهارة"، وليس غريزة أو مشاعر حماسية قد تخالجنا.
يجد القارئ المتخصص والعادي نفسه في كتابات هذا الفيلسوف - الذي لا يدعي أنه يقدم أعمالا أكاديمية عميقة، بقدر ما يحاول اجتراح أفق جديد للكتابة - يقوم على النبش في صفحات تراث فلسفي إنساني كبير، ضاع كثير من جواهره وكنوزه بين تعقيدات وطلاسم النخبة وتجاهل الجمهور والعوام. وبث الروح فيه من خلال ربطه بمعضلات ومشكلات الحياة المعاصرة.
هذا ما ظهر بجلاء في كتابه "عزاءات الفلسفة" (2000) حيث قدم للقارئ العادي كيف يمكن للفلسفة - هذا العلم الإنساني الذي يكاد يصبح من الحفريات أو مادة مثيرة للسخرية - أن تقدم له حلولا عملية لمشكلات وتساؤلات، تمس وضعه الراهن في حياته اليومية، وما أنواع العزاء؛ أو تهوين الأثقال، التي قد يوفرها بعض كبار الفلاسفة. وأيضا في كتاب لا يقل أهمية، لنا عودة إليه قريبا - في صفحات "الاقتصادية" - بعنوان "قلق السعي إلى المكانة" (2004) الذي يكشف فيه حقائق مثيرة عن القلق الجماعي المزمن في تسلق السلم الاجتماعي، وما يرتبط بذلك من اضطرابات، وتأثيره في تشكيل الصور الاجتماعية لديها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون