التعليمان العالي والعام توأمان غير متطابقين

|

قرأت قبل أيام خبرا مفاده أن مجلس الشورى يدرس إمكانية عودة استقلال التعليم العالي في وزارة خاصة به، نظرا لأن وزارة التعليم مثقلة بأعباء ضخمة؛ لكثرة المدارس، والطلاب، والمعلمين من الجنسين ما يعيق المسؤولين في وزارة التعليم من الالتفات للتعليم العالي وما يحتاج إليه من جهد ووقت يتناسبان مع حجمه الكمي وأهميته لمجالات التنمية المختلفة، إذ يحتاج إلى لفتة قوية تنطلق به نحو مستويات التحدي المعرفي، والتقني الذي يمر به العالم.
لعل من المناسب استرجاع سبب دمج الوزارتين، حيث السجال، واللوم بين مسؤولي الوزارتين بشأن تدني مستوى المخرجات فمسؤولو وزارة التعليم يعيدون الأمر إلى ضعف مخرجات الجامعات، ومنسوبو وزارة التعليم العالي يرجعون ضعف المخرجات إلى تدني الأداء في التعليم العام، وكان الهدف القضاء على البيروقراطية، أو التقليل منها في حال دمج الوزارتين في وزارة واحدة، إضافة إلى أن توحيد المرجعية قد ينتج عنه توحيد الرؤية وسهولة التنسيق وحل العوائق لكن هذا لم يتحقق.
خروجا من إشكالية أيهما أول: الدجاجة أم البيضة؟ يحسن بنا تناول الموضوع من خلال استعراض الحقائق التالية: الطالب يقضي في التعليم العام 12 عاما من سني عمره، موزعة على الابتدائي، والمتوسط، والثانوي، ويفترض أن يتم خلالها تأسيسه تأسيسا، قويا في الجوانب المعرفية، والمهارية، والقيمية، وكذا صقل اتجاهاته، واكتشاف ميوله، وتعزيزها؛ ليستقبل مراحل الجامعة، والتدريب في المعاهد، والكليات التقنية، وهو أقوى، وأصلب عودا ما يهيئه للحياة بشكل أفضل. وما من شك أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى معلمين على مستوى عال من التأهيل، كما أن البيئة المدرسية من حيث تكاملها، وتوافر الإمكانات المساعدة على التعلم النشط أمران يقينيان، إذ ليس من المناسب أن يقضي الطالب سبع ساعات في مكان لا يجد فيه الجاذبية، ولا تتحقق فيه خصائص البيئة التربوية، المناسبة، وإنما يشعره بالملل، والنفور، ليس من المكان فحسب، بل من العملية التعليمية برمتها.
الحقيقة الثانية: الطالب لا يقضي في الجامعة إلا أربعة أعوام في الأغلب، لكنه جاء للجامعة، أو المعهد العالي وهو محمل بالإيجابيات، والسلبيات التي اكتسبها في التعليم العام، سواء في المعارف، أو مهارات القراءة، والكتابة، والرياضيات، أو غيرها من القدرات التي يفترض تنميتها في المراحل الأولى من التعليم ما يعني أن عملية التعلم عملية تراكمية بإيجابياتها، وسلبياتها، وهذا بدوره سيؤثر في أدائه في الجامعة، إذ لا يمكن إعادة التأسيس في المهارات الأساسية.
خروجا من السجال بشأن مسؤولية كل طرف يفترض أن ندرك أن التعليم بمنزلة الطائر الذي لا يطير إلا بجناحين، وإذا أدركنا أن التعليمين العام والعالي يتكاملان مع بعضهما، ويؤثر، ويتأثر أحدهما بالآخر، ومع توافر النية الخالصة، والعمل بإخلاص لتجويد التعليم، والارتقاء بمستواه في كل مراحله سنتجاوز كل العقبات، ونحقق تعليما، راقيا لأبنائنا، وبناتنا ليخدموا وطنهم متسلحين بالمعرفة النظرية، والتطبيقية. إن شعور كل عضو في المنظومة التعليمية بجميع مستوياتها بواجبه، ودوره سيبعث داخله الحماس؛ ليبذل ما يستطيع خدمة لدينه، ووطنه.
التفاعل بين طرفي العملية التعليمية والتعاون أمر حتمي لا ريب فيه، ولا يمكن للعملية التعليمية أن تتطور ما لم يحدث التعاون، وتبادل التغذية الراجعة بين جناحي العملية التعليمية؛ بهدف تقويم واقع المؤسسة التعليمية، أيا كانت مدرسة، أو جامعة. وسبق لي تقديم بحث في إحدى الندوات التي عقدتها كلية التربية يتضمن نموذج تقويم تفاعلي يتم بموجبه تحقيق التغذية الراجعة المستمرة التي تسهم في معرفة كل طرف الإيجابيات، والسلبيات التي توجد لديه من وجهة نظر الطرف الآخر، وبتوافر المعلومات، والحقائق بشأن الواقع يمكن البناء على ذلك؛ لتطوير العملية التربوية لتحقيق الأهداف التي رسمت لها.

إنشرها