مكافحة الفساد أولوية قصوى للقيادة

|


أتى توجيه خادم الحرمين الشريفين باعتماد تشكيل لجنة إشرافية لمكافحة الفساد برئاسة رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وعضوية رئيس هيئة الرقابة والتحقيق، ومدير عام المباحث الإدارية، استكمالا للعزم الصارم من قبل القيادة الرشيدة ضد جميع أشكال الفساد المالي والإداري، وسوء استغلال المنصب الوظيفي مهما كان مستواه. ووفقا للتوجيه السامي ستتولى اللجنة اتخاذ جميع الوسائل والآليات اللازمة لتحقيق النزاهة، والقضاء على الفساد المالي والإداري، ومتابعة كل ما يتصل بذلك، بما يكفل سرعة البت في قضايا الفساد، والرفع بتقارير للمقام الكريم عما يتم بهذا الشأن أولا بأول.
وحسبما أكد رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد؛ إن القيادة الرشيدة ماضية بعزم وحزم في مكافحة الفساد وعدم التسامح مع الفاسدين وحماية المال العام، انسجاما مع "رؤية المملكة 2030"، التي جعلت "الشفافية" و"النزاهة" و"مكافحة الفساد" من مرتكزاتها الرئيسة.
لقد تأكد تماما للمملكة حينما بدأت في شق طريقها الطموح نحو تحقيق رؤيتها الاستراتيجية 2030، أنه لا مجال للتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، إلا بعد الالتزام التام والحازم بمحاربة الفساد بأشكاله ومستوياته كافة، الذي نصت عليه "رؤيتها" المباركة "لن نتهاون أو نتسامح مطلقا مع الفساد بكل مستوياته، سواء أكان ماليا أم إداريا. وسنستفيد من أفضل الممارسات العالمية لتحقيق أعلى مستويات الشفافية والحوكمة الرشيدة في جميع القطاعات. وسيشمل ذلك اتخاذ كل ما هو ممكن لتفعيل معايير عالية من المحاسبة والمساءلة، عبر إعلان أهدافنا وخططنا ومؤشرات قياس أدائنا ومدى نجاحنا في تنفيذها للجميع، وسنعمل كذلك على توسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وتحسين معايير الحوكمة، بما سيحد من التأخير في تنفيذ الأعمال، وتحقيق هدفنا في أن نقود العالم في مجال التعاملات الإلكترونية" "ص 60" وثيقة "رؤية المملكة 2030".
لقد ثبت للجميع وقوف الفساد بأشكاله كافة خلف أغلب التشوهات والمعوقات التنموية، بدءا من ترهل أداء الأجهزة الحكومية، وانخفاض مستوى خدماتها، وتعثر تنفيذ كثير من مشاريعها، عدا تشبع إجراءات التعامل معها بما لا حصر له من المعوقات البيروقراطية، التي أفضت لاحقا إلى رواج أشكال الفساد الإداري والمالي، للقفز على تلك المعوقات المفتعلة، مرورا بسيطرة أشكال الاحتكار على الأراضي، وتحويل أحد أهم عناصر الإنتاج في الاقتصاد والانتفاع المجتمعي إلى مخزن للثروات والأموال، زاد من لهيب أسعارها اندفاع جزء من الأموال الباحثة عن فرص استثمارية ولم تجدها نحو المضاربة على ما بقي محررا من تلك الأراضي، ليغوص على أثر ذلك كل من البلاد والعباد في براثن شبكة هائلة من حلقة التضخم المتصاعدة، ضربت بآفاتها الآثمة تكاليف الإنتاج والتشغيل وتكلفة المعيشة، وأعاقت عاما بعد عام أغلب محفزات النمو والاستقرار الاقتصاديين، وضغطت كثيرا على دخول الأسر والأفراد وأوقعتها في قروض بنكية لا نهاية منظورة لها، إما نتيجة ارتفاع تكلفة تمويل شراء المساكن، أو نتيجة اضطرار أغلب الأفراد إلى الاقتراض استهلاكيا لمواجهة ارتفاع أعباء المعيشة والإيجارات تحديدا، كان غول تضخم أسعار الأراضي والعقارات المسؤول الأكبر عن كل هذا.
شهدت الحالة السعودية في هذا المجال، بروز واتساع عديد من أشكال ممارسات الفساد، خلفت وراءها أكثر من غيرها من الممارسات الأخرى آثارا سلبية تنمويا واقتصاديا واجتماعيا. على رأس تلك الأشكال: الفساد المالي والإداري، الذي نشأ في بدايته من الاستغلال السيئ للمنصب الوظيفي، أو للموقع الاجتماعي الرفيع، ما أفضى إلى سوء استخدام المال العام وموقع المسؤولية والتكليف، وتوظيفهما في خدمة مصالح خاصة ضيقة، نتج عنها كثير من الآثار السلبية تنمويا واقتصاديا واجتماعيا، كان من بعض نتائجها تعثر عديد من المشاريع الحكومية، أو سوء تنفيذها بالتزامن مع المبالغة المفرطة في تكاليفها، سرعان ما انكشف سوؤها في مراحل زمنية لاحقة، وما ترتب عليها من إلحاق أضرار فادحة بمقدرات البلاد والعباد، هذا عدا ما أفضت إليه من زيادة كبيرة في تفاوت مستويات الدخل بين شرائح المجتمع، واستئثار تلك الدوائر الضيقة من المتورطين في تلك العمليات المخالفة نظاميا بأموال وثروات طائلة غير مشروعة، امتد تأثيرها السلبي تنمويا إلى التصرف في تلك الثروات وتوظيفها في مجالات حياتية واسعة، ألحقت مزيدا من الأضرار بمقدرات البلاد والعباد كما سيأتي في الفقرة التالية، وتسببت في نشوء أو افتعال أزمات تنموية لم يكن لها أن توجد.
هنا تمثلت الضربة الأقوى على الإطلاق ليد الإصلاح، بتوجيه مباشر من لدن خادم الحرمين الشريفين، وبمتابعة لصيقة وإشراف مباشر على التنفيذ من لدن ولي العهد الأمين، ترسيخا لأسس النزاهة والعدالة والمنافسة في الاقتصاد الوطني، ويؤمل - بمشيئة الله تعالى - أن تتصاعد إيجابياتها مستقبلا، وصولا إلى تحقيق أعلى معدلات النزاهة ومحاربة الفساد محليا، وبما يقضي إلى أقصى درجة ممكنة على كل ما من شأنه أن يلحق أي ضرر بمقدرات وموارد الاقتصاد الوطني والمجتمع.
ومن الأشكال الأخرى للفساد؛ الاستحواذ غير المشروع على مساحات شاسعة من الأراضي، واقتران ذلك بزيادة احتكار مخططات كبيرة من الأراضي، وما ترافقت معه من زيادة مفرطة في عمليات المضاربة، والمزايدات المفتعلة والمخالفة بهدف التلاعب بالأسعار القاضي برفعها دون مبررات مقبولة، التي أفضت مجتمعة إلى نشوء وتفاقم الأزمة التنموية الكأداء المتمثلة في صعوبة تملك الأراضي والمساكن من قبل غالبية الأفراد والأسر، إضافة إلى ما تسببت فيه تجاه التضخم الكبير في تكاليف الإنتاج والتشغيل على كاهل منشآت القطاع الخاص، وامتداده إلى تضخم تكاليف المعيشة على كاهل أفراد المجتمع مواطنين ومقيمين على حد سواء.
سيثمر الإصلاح ومحاربة الفساد ــ بمشيئة الله تعالى وتوفيقه ــ عن تنقية وتطهير بيئة الأعمال المحلية من كثير من الآفات، التي تشكلت وجاءت نتيجة وجود واتساع الفساد، وتحولها من ثم إلى بيئة أكثر تنافسية، تتخلص أولا من أشكال الاحتكار وعدم المنافسة، لتفتح الأبواب والنوافذ المغلقة سابقا، وتصبح الفرص على عدالة تامة أمام جميع الأفراد دون تمييز، وتتخلص من الحظوة غير العادلة التي طالما حظي بها أفراد على حساب أفراد، وتحديدا تلك التي أستأثرت بها جنسيات أخرى غير مواطنة، إضافة إلى زيادة اجتذاب الأموال والثروات الوطنية نحو الاستثمار والتشغيل والإنتاج، على عكس ما كانت عليه سابقا من زيادة توجهها نحو شراء وبيع مجرد أراض قفار دون أي تطوير أو استخدام، الذي سيؤدي بدوره إلى إيجاد مئات الآلاف من الوظائف وفرص العمل الكريمة أمام المواطنين والمواطنات، ويسهم بدوره في زيادة تحسن مستويات معيشتهم، ويحصن بذلك من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بشكل عام. والله ولي التوفيق.

إنشرها