نذر الأزمة المالية العالمية الوشيكة

|


بسبب المشكلات التي يتعرض لها النظام الاقتصادي العالمي هذه الأيام وبالذات فيما يتعلق بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، فإن العالم يحبس أنفاسه أمام أنباء ومؤشرات تلمح إلى أن الاقتصاد العالمي يقترب من الدخول في أزمة اقتصادية موجعة.
في الأسبوع الماضي اتخذ كل من الولايات المتحدة والصين قرارات متبادلة بتوقيع مزيد من الضرائب ضد بعضهما بعضا، وفي معرض حربه التجارية على الصين اتهم الرئيس الأمريكي ترمب الصين باستغلال الولايات المتحدة في مجال التجارة وسرقة الملكية الفكرية وعدد أمورا أخرى كثيرة، وقال يجب علينا تحقيق التوازن في هذه العلاقات التجارية غير المتكافئة، وأعلن ترمب قراراته عبر سلسلة تغريدات كشفت عن زيادة الرسوم من 25 في المائة إلى 30 في المائة على بضائع صينية بقيمة 250 مليار دولار بدءا من الأول من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، كذلك زاد الرسوم على بضائع بقيمة 300 مليون دولار كانت محددة بـ10 في المائة، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من أيلول (سبتمبر) لتصبح 15 في المائة بدلا من 10 في المائة، وتأتي هذه الزيادة في الرسوم الأمريكية على الصين ردا على قيام الصين بتوقيع ضرائب باهظة على سلع أمريكية، ولذلك قال ترمب ما كان يجب على الصين أن تفرض رسوما جديدة على بضائع أمريكية بقيمة 75 مليار دولار.
وأسفرت هذه المواجهات التجارية عن تباطؤ النمو الأمريكي وأعاقت الاقتصاد العالمي، وتسببت في تراجع البورصات بشكل حاد، حيث تراجع مؤشر "داو" أكثر من 600 نقطة، أي 2.4 في المائة فيما خسر مؤشر "داكس" الألماني أكثر من 1 في المائة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن نظام السوق لم يعد قادرا على حل المشكلات التي يتعرض لها الاقتصاد الدولي، ويعد اقتصاد السوق إحدى المدارس الاقتصادية التي خرجت من تحت عباءة الرأسمالية الغربية، وبنيت توجهات هذه المدرسة على فرضية أن سلطة الدولة ضعفت نتيجة انتقال مركز ثقل القرار إلى الأسواق العالمية الواسعة التي تتطلب وجود شركات عملاقة تكون مصدر التوازن الجديد في العالم، وعليه يصبح الاقتصاد -وليست السياسة- هو صانع الأحداث في العالم على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والإنسانية.
واستخدمت هذه الشركات عدة آليات لإحكام سيطرتها الاقتصادية والسياسية ومنها التكنولوجيا بحجمها الكبير ثم حقوق الملكية كشكل قانوني لحماية الاحتكار بدعم من منظمة التجارة العالمية التي استخدمت استخداما سيئا في إطار دعم نظرية السوق.
في ضوء ذلك أصبحت نظرية السوق شعارا يتغنى به كل الدول في وسائل إعلامها وتعلقه وساما على صدرها، كما كانت تعلق على صدرها شعار الديمقراطية الذي لا يزال شعارا محنطا منذ عقود طويلة حتى الآن.
والحقيقة: إن الحكومة السعودية واجهت هذه الموجات من القرارات الاقتصادية الجديدة بكثير من الحكمة، وأصدرت أمرا يقضي بتأسيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، ويومذاك قام المجلس بتصميم "رؤية المملكة 2030" ووضع سياسات اقتصادية متوازنة لإصلاح الاقتصاد الوطني وتنويع مصادره، حيث تتضمن الاستفادة من نظرية السوق بالقدر الذي يحقق الفائدة للاقتصاد الوطني دون الانجراف وراء الفرقعات الإعلامية التي أنشأت شبكة من الشركات العملاقة الكبرى متعددة الجنسيات التي أصبحت عيوبها أكثر من فوائدها.
إن "رؤية المملكة 2030" هي الوسيلة المثلى للخروج من كل الأزمات الاقتصادية المحتملة، ولقد جاءت الـ"رؤية" في الوقت المناسب كي تقوم بدور المنقذ للاقتصاد الوطني، ولعل أبرز البرامج التي تحملها الـ"رؤية" هو تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على البترول كعنصر أساسي وحيد، كما أن الـ"رؤية" تدفع كل قوى الاقتصاد الوطني إلى التوسع في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاعتماد على التعليم المعدل والمصحح ونشره بين الناس بجودة عالية.
ويجب أن نسلم بأن عصر العولمة بات عصرا مشكوكا فيه لأن الأزمة التي ضربت الاقتصاد الأمريكي عام 2008، وكذلك الأزمة التي بدأت تطول الأسواق العالمية في الوقت الراهن هما نتيجة سياسات أمريكية خاطئة سواء بالنسبة لإغراق الأسواق بتريليونات الدولارات الورقية، أو بالنسبة لفرض مزيد من الضرائب على السلع والخدمات سواء على الصين أو بعض دول الاتحاد الأوروبي، ولا ذنب لجميع دول العالم فيما تورطت فيه الإدارة الأمريكية من سياسات متطرفة كان من نتائجها أن وصل حال الاقتصاد الدولي إلى ما وصل إليه من تصدع وانكماش. ولذلك في المحصلة المؤسفة أن أمريكا ارتكبت الأخطاء، وأن العالم هو الذي يدفع الثمن مع أمريكا.
ولاشك أن المطلوب من القطاع الخاص أو الرأسمالية السعودية الوقوف جنبا إلى جنب مع حكومتها الرشيدة التي جعلت الرأسمالية الوطنية شريكا استراتيجيا في التنمية، ووضعت سياسات متوازنة كانت بمنزلة الدرع الواقي الذي يمنع تورط القطاع السعودي الخاص في أزمة لا تحمد عقباها.
ومعا -أي: القطاعان الحكومي والخاص- يمثلان عقدا متضامنا لمواجهة الظروف الحرجة التي يتوقع أن يمر بها الاقتصاد العالمي.

إنشرها