إشكالات حرائق الغابات

|


تنتشر الغابات حول العالم وتزداد كثافتها وتتشابك أشجارها في حزام خط الاستواء. تلعب الغابات أدوارا مهمة في الحياة البيئية والبشرية، لعل أبرزها تخزين كميات ضخمة من الكربون الممتص من الغلاف الجوي، وإطلاقها جزءا كبيرا من الأكسجين الضروري للحياة على كوكب الأرض. بدأت مساحات الغابات تتناقص مع مرور الوقت والتنمية البشرية، وتسارع التناقص في القرنين الماضي والحاضر. قاد تقلص وتدمير الغابات -كما يذكر المختصون- إلى نتائج وخيمة على حياتها الفطرية وسكانها من الشعوب القديمة، كما دفع بانبعاثات الغازات الدفيئة بكميات هائلة إلى الغلاف الجوي وهو ما سرع وفاقم التغيرات المناخية، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة، وخفض معدلات هطول الأمطار عليها. كلما اشتد الجفاف وكثر الهشيم في الغابات شبت الحرائق وهبت كرياح عاتية يصعب التصدي لها. تكثر الحرائق عادة في المناطق الحرجية كما تسري بسرعة فائقة ما يصعب الوصول إليها والسيطرة عليها. تنشأ حرائق الغابات لعوامل طبيعية كالبرق والبراكين، أو بواسطة الإنسان عن طريق الخطأ أو الإهمال أو بشكل متعمد. يشعل أصحاب المصالح حرائق الغابات إما لاستخدام أراضيها لأغراض زراعية أو لرعي الماشية، أو استغلال الثروات الطبيعية، أو لتلبية مطالب التنمية البشرية والعمرانية أو لأي أغراض أخرى. تقود الحرائق إذا كثرت وتمددت إلى تدمير نباتات وأشجار الغابات التي تصل أعمارها إلى مئات السنين، والقضاء على الحياتين البرية والبدائية فيها، والتسبب في كوارث بيئية على مناطقها وبلدانها والكرة الأرضية. يصل بعض الحرائق إلى المناطق الحضرية ويلتهم أجزاء منها وقد يتسبب في تعطيل حركة السفر عبر الطرق أو الملاحة المائية والجوية.
شهدت غابات العالم عديدا من الحرائق الهائلة عبر التاريخ التي قضت على مساحات شاسعة منها. وشبت في وقت قريب حرائق ضخمة في منطقة سيبيريا قضت على الحياة النباتية في نحو 50 ألف كيلومتر مربع، كما شهدت غابات ولاية كاليفورنيا العام الماضي أكبر الحرائق في تاريخها، وتعرضت جزر جرينلاند والكناري إلى حرائق غابات كبيرة. أما بالنسبة لغابات الأمازون فتشب فيها حرائق كبيرة وكثيرة منذ عقود، كما تشهد في الوقت الحالي حرائق مستعرة. ويعتقد كثير من المراقبين أن الجزء الأكبر من حرائق الأمازون شب بسبب تعمد البشر إشعالها، سواء لاستصلاح الأراضي أو لاستغلال الثروات الطبيعية أو حتى لدفع السكان الأصليين إلى مناطق أخرى لاستغلال أراضيهم من أجل الزراعة أو الرعي أو التعدين وقطع الأخشاب.
تغطي غابات الأمازون الكثيفة خمسة ملايين كيلومتر من أراضي أمريكا الجنوبية، ويقع 60 في المائة منها في البرازيل والباقي في الدول المجاورة لها كبوليفيا وبيرو. وتوصف هذه الغابات بأنها رئة الأرض، لهذا يبدي العالم اهتماما بالغا بها. أضحت حرائق الأمازون أخيرا مصدر قلق لكثير من الساسة والمدافعين عن البيئة في شتى أرجاء العالم، نظرا لأهميتها وحساسيتها البيئية للكرة الأرضية، حيث تمتص نحو ربع الكربون الذي تمتصه غابات العالم، وتطلق خمس الأكسجين في العالم. لهذا فإن ما يجري فيها يؤثر في العالم ككل وبشكل مباشر، ويزداد هذا التأثير مع مواجهة العالم للتغيرات المناخية. وتعد غابات الأمازون من أكبر الموارد الباقية لمواجهة التغير المناخي. تفاقم القلق حاليا حول حرائق غابات الأمازون بسبب الارتفاع القياسي في عددها الذي وصل إلى 80 ألف حريق وبارتفاع يزيد على 80 في المائة على عدد الحرائق في الفترة المماثلة العام الماضي، وما زال هناك متسع من الوقت لتسجيل أعداد كبيرة من الحرائق الإضافية. تتصاعد في عنان السماء الأدخنة من مناطق كثيرة في غابات الأمازون، حتى بدت واضحة في صور الأقمار الصناعية. وصل التلوث الناتج عنها إلى أماكن بعيدة بما في ذلك بعض المدن الضخمة التي تبعد عنها أكثر من ألف كيلومتر.
حرائق الأمازون مثال واضح للتشابك والإشكالات بين مصالح الشرائح الاجتماعية المحلية المختلفة وكذلك بين المصالح الوطنية والعالمية على المديين القصير والبعيد. فما يعد مصلحة لشريحة أو شرائح اجتماعية أو اقتصادية معينة في استصلاح الأراضي أو استغلال الثروات الطبيعية قد يتعارض مع مصالح باقي المجتمع المحلي أو الوطني. فالشركات بطبيعة حالها وبعض رجال الأعمال يركزون ويولون أهمية كبيرة لتحقيق المكاسب الاقتصادية من خلال استغلال الأراضي حتى لو كان على حساب البيئة أو المجتمع ككل. في المقابل تهتم شرائح المجتمع بوجه عام وتتأثر بالتغيرات البيئية السلبية ويولي كثير منها اهتماما بالغا بها. وهنا يأتي دور الساسة لإيجاد التوازنات بين الشرائح الاجتماعية، والأجيال الحالية والمستقبلية، والتنمية المستدامة، والمحافظة على البيئة، والسعي إلى تعظيم المنافع الاجتماعية وتجنب الانحياز إلى فئة دون أخرى. أما على المستوى العالمي فيرى أصحاب المصالح في بلد ما أن الاهتمامات العالمية بالبيئة المحلية تتضارب مع مصلحتهم لهذا يلبسون تعدياتهم البيئية ثيابا وطنية لاستمالة المجتمعات المحلية إلى جانبهم. في المقابل يستغل بعض الدول القضايا البيئية من أجل تحقيق أهداف اقتصادية أو سياسية أو الإضرار بدول معينة. لهذا تتطلب صياغة السياسات البيئية والاقتصادية والتنموية قدرا كبيرا من الحذر والدراسة والتمحيص والبحث العلمي لتعظيم المنافع الاجتماعية وخفض سلبيات الأنشطة الاقتصادية والتنموية وأضرارها على الأوطان والحياة بشتى أشكالها.

إنشرها