FINANCIAL TIMES

أسواق العالم .. مخاوف متزايدة من قرب وقوع حدث كبير

أوفى آب (أغسطس) مرة أخرى بسمعته وقدم صدمة سوق كبيرة. ولأول مرة، المناطق التي لا تستقر فيها الأسهم والعملات ليست هي المتهمة. بدلا من ذلك تراجعت الكتل الأساسية للأسواق المالية العالمية -السندات الحكومية الآمنة والمملة- إلى عوائد بمستوى منخفض قياسي جديد كثير منها تحت الصفر.
التوسع السلس ظاهريا للديون ذات العائد السلبي وبالتأكيد قبوله باعتباره جزءا من النظام المالي الحالي يعمل على مضاعفة مشكلات تخصيص الأصول التي تواجه المستثمرين في المستقبل. وفوق ذلك كله يزيد المخاوف من قرب وقوع حادث كبير.
عالم راسخ من العوائد السلبية يقلب رأسا على عقب الدور الذي تلعبه السندات الحكومية في توفير التأمين، أو الثقل للمحافظ التي تفضل بصفة عامة الأسهم والسندات. مع تضاؤل سعر الفائدة الثابت، وبما أن مستثمري السندات يعتمدون أكثر من أي وقت مضى على ارتفاع الأسعار للوصول إلى العائد المستهدف، فإن امتلاك السندات يصبح مختلفا قليلا عن امتلاك الأسهم.
التطورات في سوق السندات هذا الشهر كانت مذهلة حقا، هبطت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما إلى أقل من 2 في المائة لأول مرة، في حين تؤدي نحو 16 تريليون دولار من الديون ذات العائد السلبي في جميع أنحاء العالم دور مغناطيس قوي يقود باتجاه النهاية الطويلة للمنحنى. سوق سندات الحكومة الألمانية بأكملها خطت خطوة إضافية وانخفضت إلى ما دون الصفر. وأسواق السندات في اليابان وسويسرا والسويد تقع في منطقة سلبية إلى جانب نصف الديون العالمية من الدرجة الاستثمارية التي تبيعها الشركات (خارج الولايات المتحدة).
التأثير المشوه للعائدات السلبية في مختلف أنحاء الدخل الثابت العالمي ظهر في السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت المصارف المركزية من كبار حاملي السندات، في محاولة منها لتعزيز النمو الاقتصادي والتضخم. لكن مثل هذه الأنشطة فشلت في التعويض عن الاتجاهات طويلة الأجل التي تؤدي إلى انخفاض عائدات السندات، مثل شيخوخة السكان والتغير التكنولوجي السريع اللذين يؤديان على التوالي إلى تعزيز معدلات الادخار وتخفيف الضغوط التضخمية.
ما تكشفه صدمة آب (أغسطس) هو أن جزءا رئيسا من النظام المالي لا يتوقع أي تخفيف من هذه القوى طويلة الأجل خلال العقد المقبل وما بعده. من الواضح أن هناك ضغطا بين شركات التأمين وصناديق المعاشات التقاعدية لشراء سندات طويلة الأمد يمكن أن تعوض تكلفة التزاماتها المستقبلية. أسواق السندات مهيمن عليها أيضا من قبل المستثمرين الذين يتبعون مؤشرا مرجعيا قياسيا، ما يعني أنه مع انخفاض العوائد وارتفاع الأسعار تزداد الحاجة إلى زيادة وتيرة الشراء. تخلف المؤشر يؤدي إلى المخاطرة بفقدان العملاء، وهذا يوجد اتجاها قويا لعقلية الحشد -وهو اتجاه يتفاقم بسبب الزيادة التي حدثت على مدار العقد الماضي في الصناديق المتداولة في البورصة التي تركز على الدخل الثابت.
هذا يعني أن حاملي السندات ذات العوائد المنخفضة والسلبية يتعرضون بشكل مؤلم إلى انتعاش متواضع في توقعات النمو والتضخم، الأمر الذي من شأنه بطبيعة الحال أن يتسبب في ارتفاع العوائد. لكن بما أن الاقتصاد العالمي يشعر بالضغط على قطاع الصناعات التحويلية وينتظر بشكل يائس علامات على هدنة حقيقية في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين فإن أسعار السندات في الوقت الحالي، تعكس توقعات بضعف النمو والأمل في أن تكرر المصارف المركزية جرعاتها السابقة من السياسة النقدية الاستثنائية.
هذا يعني مكافأة المشترين للديون ذات العائد السلبي من خلال زيادة إضافية للأسعار. توقع هذا الاحتمال الكئيب جلب بعض الارتياح. استفادت المحافظ الاستثمارية المتنوعة من الرياح المواتية الناشئة عن ارتفاع السندات. مثلا، أحد المؤشرات العالمية للسندات الحكومية حقق عوائد بلغت 8 في المائة على مدار الـ12 شهرا الماضية، مقارنة بانخفاض مؤشر فاينشيال تايمز لجميع الأسهم العالمية 2 في المائة. مؤشر سندات الخزانة الأمريكية المستحقة بعد أكثر من 20 عاما ارتفع أكثر من الخمس هذا العام وحده مع تعزيز أداء الأسعار من خلال استحواذ آب (أغسطس) على السندات طويلة الأجل.
هذا أمر مريح في الوقت الحالي لكن الصورة من هنا، كما يشير دافال جوشي من "بي سي آي ريسيرش"، ليست مشجعة "عند عوائد السندات المنخفضة للغاية تلتقي مخاطر امتلاك السندات مع مخاطر امتلاك الأسهم. إمكانية زيادة رأس المال على المدى القصير -الاسمية أو حقيقية- تتضاءل، بينما تزداد إمكانية حدوث خسائر فادحة بشكل كبير". 
وهكذا يتم ترك النظام المالي عرضة لأي ارتفاع مفاجئ في عائدات السندات مع عدم وجود مجال كبير لارتفاع الأسعار بقوة، بالنظر إلى التحركات القوية التي تعكس بالفعل كثيرا من بيانات النمو والتضخم القاتمة في المستقبل. ما ينبغي أن يقلق الناس بشأنه حقا هو كيف أن فترة طويلة من السندات الحكومية السلبية وذات العائد المنخفض تكثف التحديات التي تواجه ربحية المصارف. هناك أيضا أعلام حمراء ترفرف على التقييمات الخاصة بصناديق المعاشات التقاعدية وقابلية شركات التأمين للحياة بسبب تقلص أسعار الفائدة على السندات.
هنا تكمن الذخيرة للفترة المقبلة من معاناة الأسواق المالية التي لعبت دورا رئيسا في نسف الاقتصاد العالمي عامي 2001 و2008. هذه هي الرسالة طويلة الأجل المثيرة للقلق من الصدمة التي أحدثها آب (أغسطس) في السوق.
 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES