«يمر ولا يضر»

|

عملت قبل أعوام تحت إدارة رئيس لديه فلسفة إدارية ساطعة في العمل. يؤمن أنه عابر في منصبه، وأن جلوسه على الكرسي مؤقت، فإما أن يفيد زملاءه أو على الأقل لا يضرهم.
يرغب في أن يرافق الذكر الحسن اسمه عندما يغيب.
قد يبدو الأمر يسيرا لكنه في الحقيقة عسير. التحديات الإدارية منهكة ومعقدة. والتعامل مع الموظف ليس بالأمر الهين. لكن ذلك الرئيس استطاع أن ينجح في فلسفته، وينجو من إلحاق الضرر بأي موظف خلال فترة عمله، التي امتدت إلى ثلاثة أعوام بحسب علمي.
أكبر دليل على ذلك السيرة العطرة التي خلفها، وما زلنا نتذكرها، على الرغم من انتقالنا نحن وإياه إلى مواقع أخرى مختلفة.
بيد أننا نستعيد مواقفه بكل تقدير. أحد هذه المواقف كان مع موظف كثير الغياب. يأتي إلى العمل يوما ويغيب أربعة.
كان بوسع الرئيس تطبيق أشد العقوبات تجاه الموظف المتسيب، لكنه تريث وفكر بعمق وقام بتصرف آخر.
بدأ في التعامل معه بدعوته إلى مكتبه ليناقشه في سبب عدم انتظامه في الحضور. فسرد له قائمة طويلة بالأسباب بعضها مقنع والآخر خلاف ذلك.
لم يبتئس الرئيس. حاول معالجة بعض التحديات. والأهم من ذلك حرص أن يمر على مكتبه يوميا في أوقات مختلفة، ليقرأ عليه السلام ويشعره بأهميته بالنسبة له.
أسهم هذا اللقاء اليومي في انضباط الموظف غير المسؤول. فهو يخشى أن يأتي رئيسه الجديد إلى مكتبه ولا يعثر عليه. فأصبح يواظب على الحضور، والأجمل أن أداءه تحسن كثيرا. فبعد أن كان لا يقوم بأي شيء صار يبادر ويعمل.
كان بإمكان الرئيس أن يتعامل بصرامة، ويرفع الموضوع إلى شؤون الموظفين. ويوفر الإثباتات التي ستؤدي إلى قرار سلبي تجاه الموظف. لكنه لم يختر الطريق السهل، وإنما اختار الصعب الذي يحتاج إلى متابعة واهتمام وعناية ووقت، مجسدا دور القائد الحقيقي.
فاستطاع أن يحول الموظف من عنصر سلبي إلى عنصر إيجابي في منظومة العمل.
أذكر أنني سألت والدي ذات مرة عن شخص، فساق لي مثلا دارجا جميلا يصفه أنه: "يمر ولا يضر".
وهو وصف ينطبق على ذلك الرئيس. فهو لا يمر ولا يضر فحسب، بل يستقر في دواخلنا بطيب خصاله وكريم سجاياه.
تخيلوا أننا جميعا مديرون أو غير مديرين، نتعامل بالفلسفة ذاتها؛ أي أننا نمر في حياة الآخرين؛ إما بشكل إيجابي أو على الأقل دون أن نضرهم، إننا حينئذ والعالم معنا؛ سنحيا حياة أكثر سعادة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها