نحن والصيف .. وكشف الحساب

|


منذ أن قال عمرو بن عداس مقولته المعروفة لابنة عمه التي طلبت الطلاق منه: "الصيف ضيعت اللبن" ونحن مطالبون بأن نراجع تصرفاتنا بعد كل موسم صيف، هل أضعنا شيئا كما أضاعت تلك الفتاة الصغيرة حياة الترف مع زوجها الغني؟ والآن بعد عطلة صيفية طويلة أقترح أن يضع كل منا كشف حساب يبين الأرباح والخسائر خلال الإجازة، ولا أعني فقط الخسائر المادية وإنما المعنوية ففي الصيف نترك التمور الفاخرة ونسافر ولا نعود إلا بعد انتهاء موسمها، وفي الصيف تتفرق الأسر. قال لي أحدهم: إن أبناءه وبناته مع أزواجهن في أيام الإجازة موزعون بين ثلاث قارات. أليست تلك خسارة تتصدر كشف الحساب وتقطع روابط صلة الرحم والحرص على اجتماع الأسرة وسعادتها؟ وقال ثان: سافرنا في الإجازة إلى بلاد نتردد عليها دائما فشعرنا بالملل، وسافرنا إلى بلدان لم نزرها من قبل فوجدنا أن ما سمعناه عنها من راحة وأمن وجو جميل ليس بصحيح. وقال ثالث: تركنا منازلنا الفسيحة الجميلة بحدائقها الغناء وخدمها وحشمها، وحشرنا في غرفتين صغيرتين وانطلقت النساء إلى الأسواق وكأن بلادنا ليس فيها أرقى الأسواق وأحدث البضائع. وجلست في القهوة مع أصدقاء يعانون المشكلة نفسها، والأسوأ أننا نذهب بعيدا لنمارس عاداتنا نفسها، نضع الفراش على زرع الحديقة العامة ونحضر الشاي والقهوة ومأكولاتنا الشعبية، ونترك الآخرين يضحكون علينا وربما يسرقون صورة لهذا المشهد كي تستغل في الحملات ضد بلادنا. وإذا عدنا من السفر قلنا: رحلتنا كانت موفقة وممتازة. أي توفيق أن نقضي أوقاتنا بين الأسواق والمقاهي والمطاعم، ونصرف آلاف الريالات ونعود مرهقين وحسابات بطاقاتنا الائتمانية مدينة بمبالغ لا طاقة لنا بها ونظل نقتر على أنفسنا طوال العام بسبب هذه الرحلة؟ طبعا أنا لست ضد السفر لكن أدعو إلى أن تكون للرحلة أهداف محددة تغطي الجانب الثقافي والرياضي والصحي وربما التعليمي لاكتساب لغات ومهارات جديدة للأسرة كاملة، وأدعو أيضا إلى وضع ميزانية معلنة لجميع أفراد الأسرة كي يساعد كل منهم على التقيد بها.
وأخيرا: هناك من يذهب بأبنائه إلى أماكن عديدة في الخارج ثم يعود لينضم مع إخوانه وأبنائهم في رحلة داخلية جماعية ويسأل الأبناء أيهما أفضل رحلة الخارج أم الداخل؟ فيرد الجميع بصوت واحد بل الداخل حيث نجتمع مع بعضنا في جلسات لا يمكن نسيان ذكرياتنا فيها، ويستدرك الأبناء لكن فعاليات الأطفال في مدننا السياحية ما زالت بدائية. والمؤمل أخذ ذلك في الحسبان فالفعاليات الآن أو معظمها لا تناسب الأطفال لذا يحضرونها مجاملة للكبار وهذا ما يدعوهم إلى طلب السفر إلى الخارج. ويبقى عامل واحد لا بد من ملاحظته ليكون كشف حساب الصيف أكثر قبولا، وهو التخلص من التفاخر والسفر لمجرد أن الآخرين سافروا، وليعرف كل شخص مقدرته قبل أن يحمل نفسه ما لا تطيق.

إنشرها