التطلعات الاقتصادية العالمية

|


بعد عامين من النمو الجيد توقع صندوق النقد الدولي في أحدث إصداراته أن يتراجع معدل نمو الاقتصاد العالمي في 2019 إلى 3.2 في المائة. أما بالنسبة للعام المقبل 2020، فقد استشرف الصندوق أن يشهد معدل النمو بعض التحسن ليصل إلى 3.5 في المائة، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن مستويات اليقين لمعدل نمو العام المقبل منخفضة بسبب بعض المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي. ومن أبرز تلك المخاطر تزايد النزاعات التجارية بين الشركاء التجاريين العالميين، خصوصا بين الولايات المتحدة والصين. ويعود معظم النمو الاقتصادي العالمي لمعدلات نمو الاقتصادات الآسيوية المرتفعة خصوصا الصين والهند.
استمرت الولايات المتحدة في اتخاذ إجراءات تجارية ضد الواردات الصينية، كما ردت الصين بإجراءات تجارية مقابلة الأمر الذي زاد حالة عدم اليقين في الأوضاع التجارية والاقتصادية المستقبلية للبلدين. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن هناك مخاوف من إمكانية اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات تجارية ضد بعض شركائها في أمريكا الشمالية وأوروبا أو الدول الصاعدة. كما ازدادت حالة عدم اليقين مع ازدياد مخاطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهو ما سيؤثر سلبا في الاقتصادات الأوروبية. ويلاحظ ازدياد التوترات الاقتصادية بين الدول، ومن الأمثلة على ذلك الخلافات التجارية اليابانية الكورية. وعموما فإن ازدياد نبرة النزاعات التجارية تمثل مخاطر قوية تهدد النمو الاقتصادي العالمي.
تشكل تجارة السلع المعمرة العالمية جزءا كبيرا من التجارة العالمية. وتوجد مؤشرات على تراجع معدلات نمو الاستثمار والطلب على السلع المعمرة بسبب إحجام الشركات والأسر عن الإنفاق، ما سيقود إلى ضعف معدلات نمو التجارة العالمية ويضعف النمو الاقتصادي. عموما فإن مخاطر ضعف الاقتصاد العالمي تزيد بسبب الأوضاع الدولية الراهنة التي ترفع حالة عدم اليقين عن التطورات الاقتصادية المستقبلية، وهذا يرفع مخاطر الاستثمار والاستهلاك ويزيد من ميل الشركات والأفراد لخفض الاستثمار والاستهلاك تحسبا للمخاطر المستقبلية.
تراجعت معدلات التضخم في الدول الصناعية الكبرى دون المستويات المستهدفة بسبب ضعف الطلب الكلي معززة مخاوف تراجع معدلات النمو الاقتصادي في عدد من الدول الصناعية. وكان معدل التضخم في الولايات المتحدة أقل من المعدل المستهدف، لكنه كان أقل بشكل أكبر في منطقة اليورو واليابان. وسجلت الدول النامية أو الصاعدة معدلات تضخم أقل من المستويات التاريخية إلا في عدد محدود من الدول. ويعود جزء كبير من انخفاض معدلات التضخم إلى ضعف نمو الأجور في الدول المتطورة والصاعدة، وهو ما يدل على تزايد تباين الدخول بين الشرائح السكانية المختلفة.
تسببت سياسات بعض الدول الكبرى في إرباك المشهد الاقتصادي العالمي الذي تركز بالدرجة الأولى في مخاطر الحروب التجارية والقيود التقنية بين الولايات المتحدة وعدد من شركائها التجاريين الرئيسين، كذلك في قرار المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي حتى ولو بشكل غير منظم. أثرت هذه السياسات في مزاج الأسواق وخفضت الثقة بالتطورات الاقتصادية المستقبلية، ورفعت حالة عدم اليقين بسلاسل الإنتاج العالمية التي تلعب دورا كبيرا في التجارة العالمية والنمو الاقتصادي العالمي. في المقابل لعبت المصارف المركزية الرئيسة دورا أكثر تأييدا ودعما لثقة الأسواق من خلال مواصلة السياسات النقدية التيسيرية واستعدادها لاتخاذ مزيد لتجنب التباطؤ الاقتصادي بما في ذلك استعداد بعضها كالمصرف الأوروبي للعودة إلى سياسات التيسير الكمي. كما أبدت بعض الدول كألمانيا التي انكمش فيها الاقتصاد أخيرا استعدادا لزيادة العجز المالي لتنشيط الاقتصاد. وتواجه ألمانيا تراجعا في الطلب على صادراتها الأمر الذي قاد إلى تراجع معدلات الاستثمار الرأسمالي وخفض بالتالي النشاط الاقتصادي فيها.
سيتراجع النمو في الدول المتقدمة والصاعدة هذا العام بينما سيتحسن قليلا في الدول الصاعدة العام المقبل. أما في محرك النمو الاقتصادي العالمي في آسيا فسيتراجع النمو الاقتصادي بعض الشيء هذا العام والعام المقبل بسبب الإجراءات التجارية الأمريكية، لكن المنطقة ستظل الأقوى نموا على المستوى العالمي. سيكون معدل النمو في منطقة الشرق الأوسط محدودا العامين الحالي والمقبل بسبب الصراعات والتوترات الناشبة في المنطقة. في المقابل يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكتسب القطاع غير النفطي في المملكة مزيدا من القوة والثقة مع زيادة الإنفاق الحكومي عام 2019، كما يتوقع نمو الاقتصاد النفطي عام 2020 على الرغم من التراجع المحدود المتوقع في أسعار النفط.
إن تطورات الاقتصاد العالمي المحتملة العام المقبل تشير إلى مخاطر واضحة تهدد معدلات النمو الاقتصادي العالمي، الأمر الذي يرفع إمكانية تراجع معدلات نمو النشاط الاقتصادي العالمي دون توقعات الصندوق. وإذا حدث هذا فستنخفض معدلات نمو الطلب على المواد الأولية التي أهمها النفط وهو ما سيؤثر سلبا في أسعاره بسبب حساسية الأسعار العالية لتغيرات حجم الطلب. وقد أبدى أخيرا عديد من المحللين والخبراء مخاوف من حدوث تباطؤ أو ركود اقتصادي في عدد من الدول من بينها الولايات المتحدة خلال أو عند نهاية 2020. ولتجنب الآثار السلبية في الاقتصاد المحلي من التطورات العالمية المعاكسة لابد من إعداد خيارات متنوعة لسياسات التيسير المالي والنقدي المحلي التي يمكن تطبيق المناسب منها لتحفيز النمو وزيادة التوظيف.

إنشرها