FINANCIAL TIMES

أسعار الفائدة المنخفضة بلاء على الفقراء

عندما تسمح البنوك المركزية لأسعار الفائدة بأن تقترب من، أو تقل عن، ما يسمى بصراحة "الحد الأدنى الصفري" يكون هناك خاسرون واضحون. تفترض البنوك أن الأسر المنصاعة لنظرية السياسة النقدية، ستقترض مزيدا من الأموال بأسعار فائدة أقل. في الواقع، الحقيقة هي أن "الأسعار المنخفضة لفترة أطول" تمنع انتعاشا قويا لأنها تجعل التباين الاقتصادي أسوأ.
ينطبق هذا بصفة خاصة في الولايات المتحدة. كثير من الأسر الأمريكية تعيش عيشة الكفاف، مع ديون أكثر من أن تكون قادرة على سدادها على الإطلاق. أسعار الفائدة المنخفضة تجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لأولئك الذين قد يتمكنون من الادخار قليلا للحصول على عائد صحي يوفر مرونة مالية اليوم وتقاعدا آمنا على المدى الطويل.
بالنسبة للأسر الضعيفة أسعار الفائدة المنخفضة قاسية، وأسعار الفائدة السلبية وحشية. حساب بسيط لما يحدث في حساب ادخار صغير يبين لماذا جعلت السياسة النقدية بعد الأزمة التباين أسوأ بكثير.
دعنا نفترض أنك وضعت ألفي دولار سنويا، على مدى 20 عاما، في حساب ادخار يدفع سعر الفائدة المركب التاريخي البالغ 5 في المائة. في نهاية هذين العقدين المقتصدين، سيكون لديك 69438 دولارا بالقيمة الاسمية. بالقيمة الحقيقية (المعدلة حسب التضخم) لديك 49598 دولارا، بافتراض تضخم سنوي 2 في المائة. إذن، مبلغ 40 ألف دولار يجعلك تكسب 9598 دولارا محمية من التضخم، أو 24 في المائة.
الآن لنفترض أنك وضعت الألفي دولار نفسها، على مدى الـ20 عاما نفسها، ونسبة التضخم هي الـ2 في المائة نفسها. لكن تخيل بدلا من ذلك أنك تتلقى فقط سعر فائدة 0.5 في المائة يتم دفعه، في الغالب، على أموال صغيرة منذ الأزمة المالية في الولايات المتحدة. بدلا من 69438 دولارا، سينتهي بك الأمر إلى الحصول على 42168 دولارا فقط بالقيمة الاسمية و30120 دولارا بالدولار الحقيقي - أي أنك ستكون قد خسرت نحو 25 في المائة. وعلى افتراض أن أسعار الفائدة سلبية - قل إلى ناقص 0.5 في المائة - ستكون أنت، المدخر سيئ الحظ، خاسرا 29 في المائة.
في عالم من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية معظم الأسر لا يكون لديها أمل في تراكم الثروة، بغض النظر عن حجم مدخراتها. في الواقع، هم أفضل حالا لو كانوا مبددين.
هذه النتيجة الضارة قد تكون مقبولة - ربما - إذا حفزت أسعار الفائدة المنخفضة أيضا النمو الذي يؤدي إلى زيادة في الأجور الحقيقية. لكن أجور الطبقة الوسطى الأمريكية اليوم ليست أعلى مما كانت عليه في عام 2001 عندما تم أخذ التضخم في الحسبان. قد يرتفع دخل الأسرة بالقيمة الحقيقية، لكن هذا يرجع إلى حد كبير إلى أن كثيرا من الأسر تعيش الآن على عدد من أصحاب الأجور، وكذلك على التوظيف المرن (العمل غير المنتظم وغير المرتبط بعقد تقليدي). ثلث الأمريكيين لا يعملون على النحو الذي يرغبون فيه.
يعلم الله مدى صعوبة عمل الثلثين الآخرين لتغطية نفقاتهم، لكننا نعرف أن معظم الأمريكيين لديهم ديون أكثر بكثير مما يملكون من أصول دائمة. انخفاض سعر الفائدة قليلا على كل هذه الديون قد يجعل الأمر أكثر قابلية للإدارة إلى حد ما، لكن وجود كومة الديون أصلا هو أحد أعراض الضيق الاقتصادي العميق الذي تجعله أسعار الفائدة المنخفضة يسوء قليلا.
سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي غير التقليدية في فترة ما بعد الأزمة، مثل سياسة عديد من البنوك المركزية الأخرى، تقوم على فرضية تقليدية للغاية: إذا كانت أسعار الفائدة المنخفضة تحفز النمو، فإن أسعار الفائدة المنخفضة للغاية، أو حتى السلبية، ستجعل النمو يحدث بشكل أسرع وأقوى.
لكن هذه النظرية التقليدية صيغت في الأعوام التي تلت الحرب العالمية الثانية، عندما كانت لدى الولايات المتحدة طبقة وسطى قوية كانت تتمتع بالقدرة على الاقتراض عندما انخفضت أسعار الفائدة وكانت تنفق ديونها على الاستهلاك الثابت، مع مزايا طويلة الأجل للمساواة. بعبارة أخرى، كان لدى الأمريكيين ما يكفي من الضمان المالي للاستجابة لخفض أسعار الفائدة من خلال الحصول على ديون أكثر قليلا وإنفاقها على سيارة جديدة أو حتى منزل جديد، ما يعزز الطلب والتوظيف والازدهار المشترك.
اليوم، مع وجود طبقة وسطى خاوية وعدد أكبر بكثير من العمال ذوي المهارات المنخفضة دون موارد كافية للانتقال إلى حيث قد تكون الوظائف الجديدة، لا يمكن للاحتياطي الفيدرالي أن يجعل أسعار الفائدة المنخفضة تغذي النمو المستدام، بغض النظر عن مدى الجهد الذي يبذله لتحقيق ذلك.
يعتقد بنك الاحتياطي الفيدرالي أنه اشترى لنفسه بعض "التأمين" بخفض أسعار الفائدة الأخير. بالنظر إلى تغريدات الرئيس دونالد ترمب على موقع تويتر ردا على ذلك، هذا ليس تأمينا ضد المخاطر السياسية. كما أنه ليس تأمينا ضد تقلبات السوق التي زادت بعد الخفض، ويرجع ذلك جزئيا إلى تزايد الشكوك حول سياسة الاحتياطي الفيدرالي وارتفاع مخاطر سوق السندات. كما أنه ليس تأمينا ضد أزمة مالية أخرى - صندوق الأدوات، الذي يضرب به المثل، الخاص بالبنك المركزي أصبح فارغا أكثر الآن.
أخيرا، بالتأكيد، جاي باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي، لم يشتر أي تأمين ضد التباين الذي لا يزال أسوأ، وما يصاحب ذلك من مخاطر على صعيد الاقتصاد الكلي وكذلك على الصعيدين المالي والسياسي. بتخفيضه أسعار الفائدة، بنك الاحتياطي الفيدرالي راهن بدلا من ذلك على أنه يستطيع بطريقة ما، في وقت ما، تحديد أفضل طريقة لتطبيع السياسة أو التوصل إلى بديل أفضل. الوقت ليس في صالحه.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES