الاحتياطيات الأجنبية السعودية .. دعامة لإدارة النقد

|


تشير التقارير التي نشرتها "الاقتصادية" إلى أن الاحتياطيات الأجنبية لدى السعودية، تكفي لتغطية وارداتها لمدة 45 شهرا، وهذا المعدل يعادل سبعة أضعاف المعدل العالمي، البالغ ستة أشهر فقط، بما يعني أن المعدل في السعودية يفوق المتوسط عالميا بنسبة 543 في المائة. أرقام هذه المعدلات تزيد من أمرين معا: الأول حجم الثقة برجل الأعمال السعودي أينما كان، حيث يمكنه تمويل جميع أعماله من المشتريات العالمية وبأي عملة يريدها، وهذا يجعله المشترى المفضل على مستوى العالم. والثاني زيادة الثقة بقدرة المالية السعودية على خدمة الدين العام وخاصة السندات المقومة بالعملات الأجنبية سواء الدولار أو اليورو. وهذا له انعكاسات إيجابية على التصنيفات الدولية سواء على مستوى الحكومة أو على مستوى الشركات.
حجم الاحتياطيات من النقد الأجنبي المرتفع له معان إيجابية كثيرة، من بينها زيادة اعتماد الاقتصاد السعودي على مصادره الذاتية لتمويل مشاريعه، فالدورة الاقتصادية داخل البلاد تعتمد بشكل كامل على حركة الريـال السعودي، ولهذا فإن دخول العملات الأجنبية إلى حركة الاقتصاد الداخلية محدودة جدا، وهذا يمكن الاقتصاد السعودي من أمر في غاية الأهمية وهو القدرة على ضبط كمية النقود، والسيطرة على التضخم، وعدم تأثر الأسعار في الداخل بما يحدث من تقلبات عالمية خاصة ما يحدث أخيرا من حرب تجارية عالمية. وهذا أيضا – من جانب آخر – يمكن الحكومة من السيطرة على سعر الصرف، ومقابلة أي آثار سلبية من المضاربات التي تستهدف إرغام الحكومة على تعديل سعر الفائدة، وهو الأمر الذي يواجهه كثير من الدول برغم مظاهر الازهار الاقتصادي إلا أنها تظل تحت رحمة المضاربات والهجوم المستمر على العملة، وإجبار الحكومات على تعديل أسعار الفائدة حسب رغبات المضاربين، ذلك أنها تكون بين طرفي كماشة: إما استنزاف الاحتياطيات الأجنبية نظرا لتراجع أسعار الصرف وكثافة الخروج من العملة، أو رفع نسب الفائدة على الودائع من العملة الأجنبية وهو ما تهدف إليه المضاربات. لكن الدول التي تتمكن من بناء احتياطيات ضخمة مثل المملكة تجعل من الصعب على المضاربين تحقيق هذه الانتصارات دون تكبد خسائر فادحة لن تعوضها تعديلات أسعار الفائدة، وهذا هو المنهج الذي استطاعت الصين من خلاله مواجهة كل أنواع الهجمات على اليوان الصيني واستطاعت حماية جميع صناعاتها وتحقيق استقرار اقتصادي طويل المدى. ولهذا كله فقد انتهى تقرير "الاقتصادية" بشأن هذا المخزون الهائل من النقد الأجنبي السعودي بأنه يمنح قوة كبيرة لدعم سياسة سعر الصرف والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
من اللافت في تقرير "الاقتصادية" تلك الإدارة الجيدة للمخاطر الملازمة لطبيعة الاحتياطيات الأجنبية، فمن المقلق دائما أن تكون الاحتياطيات في شكل عملة واحدة لأن هذا يعرض الاحتياطيات نفسها لمخاطر تقلبات العملة الأجنبية، فتجد الاحتياطيات مرتفعة في عام ومنخفضة في آخر ليس بسبب مشكلات في الاقتصاد أو الاستنزاف، بل فقط لمشكلات في نوع وشكل تلك الاحتياطيات. لهذا نقرأ في تقرير "الاقتصادية" أن الاحتياطيات السعودية تتوزع بشكل جيد بين الذهب وحقوق السحب الخاصة والاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي والنقد الأجنبي والودائع في الخارج، إضافة إلى الاستثمارات في أوراق مالية في الخارج. وهذه الأخيرة مهمة جدا ذلك أنها تمنح عوائد على تلك الاحتياطيات فتمثل مصدرا جيدا لتنمية الاحتياطيات من جانب وأيضا تمويل المالية العامة وسداد جزء من خدمة الدين، وتمويل العجز إذا لزم الأمر. وهذا في مجمله يقلل المخاطر من تنامي الاحتياطيات التي بلغت في الخارج نحو 1.94 تريليون ريـال.

إنشرها