الاقتصاد الأرجنتيني يحتاج إلى إسعاف دولي

|

في أعقاب التراجع الكبير الذي ضرب الأسواق العالمية الأسبوع الماضي، تم تسليط الضوء على الوضع الاقتصادي في الأرجنتين. فاقتصاد هذا البلد يعاني مصاعب تتجاوز تلك الموجودة على الساحة في عدد من بلدان أمريكا اللاتينية الكبيرة، ناهيك عن التوتر السياسي الداخلي، في ظل الإعداد لانتخابات رئاسية في غضون شهرين تقريبا. فالتوقعات تشير إلى إمكانية فوز مرشح يسار الوسط البيروني النزعة ما يزيد من التوتر القائم، ولا سيما في أوساط المستثمرين. لكن المشهد الاقتصادي العام في النهاية، هو الذي ينشر الرعب ليس فقط في أوساط هؤلاء المستثمرين، بل أيضا بين شرائح الأرجنتينيين أنفسهم. وهذا ما يفسر التدافع لسحب الأموال من قبل كل الشرائح خوفا من انهيار العملة الوطنية خصوصا أن بلدانا كثيرة بدأ تراجعها الاقتصادي بانهيار عملاتها، أو وصولها إلى مستويات متدنية خطيرة.
الأرجنتين ليست بلدا صغيرا، فهي عضو في مجموعة العشرين، وتسهم في صنع القرار الاقتصادي العالمي بصورة أو بأخرى، والأضواء مسلطة عليها. وتأتي المشكلات الاقتصادية الراهنة، جراء حالة عدم اليقين التي ضربت الاقتصاد العالمي ككل. فحتى الاقتصاد الأمريكي مهدد بالركود في العامين المقبلين، والمؤسسات الدولية الكبرى، لا تتوقف عن المطالبة بتحفيز الاقتصادات عن طريق خفض معدلات الفائدة، بصرف النظر عن أي مخاطر قد تنجم عن الإقراض الذي قد يخرج عن السيطرة. ورغم أن الوضع لا يزال ضمن النطاق الآمن بعض الشيء، إلا أن بعض السياسيين في الأرجنتين وفي عدد من دول أمريكا اللاتينية، لا يستبعدون أن تسير البلاد في الطريق الذي سارت عليه دول كفنزويلا. فهذه الأخيرة باتت في الهاوية فعلا منذ عدة أعوام، وليس الآن لأسباب معروفة للجميع.
الخوف على الوضع الاقتصادي في الأرجنتين يصحبه خوف شديد على الوضع الاقتصادي العالمي، خصوصا في ظل حرب تجارية مستعرة بين الولايات المتحدة والصين، ومعارك تجارية جانبية هنا وهناك. المتشائمون يتحدثون عن إمكانية أن تشهد الأرجنتين هجرة كبيرة مشابهة لهجرة الفنزويليين هربا من الأوضاع الاقتصادية المعيشية السيئة جدا. لكن الأمر لن يصل بهذه السهولة إلى هذا المستوى، خصوصا أن الأرجنتين تتمتع بأساسات اقتصادية صلبة. كما أنها، بصرف النظر عن المسار السياسي فيها، تملك قدرات تمكنها من علاج الأزمة، أو على الأقل الحد من آثارها السلبية إذا ما استفحلت بالفعل. بالطبع هناك تخويف كبير صادر من سياسيين ينتمون إلى التيار اليميني ليس في الأرجنتين فحسب، بل في عدد من بلدان المنطقة.
فهؤلاء لا يرغبون في وجود حكومة ليبرالية أو أن تقف عند حدود يسار الوسط. المهم الآن أن تحافظ الأرجنتين على سمعتها عند المؤسسات الدولية ولا سيما صندوق النقد الدولي. فهي تسعى إلى الحصول على قرض يبلغ 56 مليار دولار، وهناك خلافات داخلية "كما يحدث في أغلب الدول التي تتعاطى مع هذه المؤسسة" حول شروط القرض. مع ضرورة الإشارة إلى أن التصنيف الائتماني للأرجنتين تم تخفيضه بالفعل أخيرا من قبل الوكالتين العالميتين "فيتش" و"ستاندرد آند بورز". ما يجعل المهمة صعبة أمام الحكومة الحالية أو تلك التي ستتشكل في الأسابيع القليلة المقبلة.
دون أن ننسى أن الوضع الاقتصادي العالمي لا يساعد أيا من البلدان الكبرى على الساحة الدولية، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا، فإن الأمر مرهون بهدوء سياسي في الأرجنتين، وانفراج أزمة الاقتصاد العالمي قبل نهاية العام الجاري.

إنشرها