السلوك في عصر التقنية

|

هل تأثر سلوك الناس بالتقنية، خاصة في عصر الإنترنت الذي دخل كل بيت في العالم وأصبح الصغير يسابق الكبير في الجلوس أمام الشاشة، بل يتفوق عليه في استخدام التقنية ببرامجها وتطبيقاتها المتعددة؟ وإذا كان السلوك البشري قد تغير بصورة تدريجية منذ عصر النهضة الصناعية فإن التغير أشد في عصر تقنية الحاسب الآلي، وما ترتب عليه من تسهيل التواصل بين الناس، بمختلف ثقافاتهم، ومشاربهم، ودياناتهم، وأعمارهم، وتنوع أهداف التواصل لكل منهم.
الثرثرة سلوك يوجد عند بعض الناس منذ القدم، ومع أنه سلوك مذموم، وصاحبه غير مرحب به، ولا يجد قبولا من البعض، كما أنه لا يوثق به، نظرا لما يعرف عن الثرثار من كثرة الكلام، وإشاعة أجواء عدم الارتياح في المجالس التي يؤمها، لما يحدثه من فوضى الحديث، والمقاطعة، وعدم احترام من هم أوجه منه، وأكثر علما، وخبرة في الحياة، حتى إن المجلس بوجوده لا يمكن أن يناقش موضوعا محددا، بل إن خاصية الثرثرة تحول المجلس إلى خلطة من المواضيع لا اتساق بينها، ولا يتمكن الحضور من الخروج بفائدة تذكر، نظرا للفوضى الشديدة التي تحدث. ومع أن الثرثرة سلوك مذموم، وصاحبه لا يلقى التقدير، والاحترام إلا أن البعض يقربون الثرثار في مجالسهم، ويجعلونه يتصدر الحديث، نظرا لما يجدونه من أنس، وبهجة في حديثه الذي لا منطق فيه ولا عقلانية، وإنما هو تهريج يراد به إضحاك الحضور بما يعرضه الثرثار من أحاديث ليست ذات قيمة ولا فائدة معرفية، أو عقلية.
حذر القرآن من المجالس التي يغشاها الثرثارون، نظرا لما يترتب عليها من خوض في الدين، أو الأعراض، وهذا كاف في حد ذاته، لما فيه من إماتة القلوب، وصرفها عن الأمور الجادة، كتدارس القرآن، وتفسيره، وقراءته، أو المناقشة في السنة النبوية، المطهرة، أو طرح مواضيع ذات قيمة للمجتمع، كمناقشة قضايا اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، وتربوية، والبحث عن حلول للمشكلات التي قد توجد في المجتمع.
التاريخ، وفي كل العصور، وفي عصرنا الحاضر بشكل واضح يحدثنا عن شخصيات مارست الثرثرة، والتهريج في المجالس، ووجدت هذه الشخصيات حضورا قويا في بلاط الملوك والزعماء، حتى أصبحت تجارة، ومهنة يمتهنها من لا مهنة له ومن يمتلكون القدرة على كثرة الكلام، والتلاعب بالألفاظ بهدف إسعاد الحضور، وبالأخص صاحب المجلس الذي دعا الجميع إلى حضور حفلة التهريج.
تقنية الإنترنت، ممثلة في بعض تطبيقاته مثل "تويتر" و"سناب شات"، أصبحت أدوات سهلة الاستخدام، وتأثيرها أعم وأشمل، فالثرثار يجد آلية مناسبة، وساحة واسعة يحقق من خلالها أهدافه من الثرثرة، بدلا من الاقتصار على جمهور محدود، يتمثل فيمن حضروا المجلس. ومن يتتبع بعض المغردين، أو "السنابيين" يجد غثا لا رابط بين المواضيع المطروحة فيه، ولا فائدة تذكر، حتى إن البعض يتجاوز حدود الذوق، والعقل، ويخوض في أمور لا قبل له بها، ولا يلم بأدنى المعلومات بشأنها، وكأنه يكشف ذاته، ويجلدها، دون إدراك منه أنه كشف جهله، وغباءه.
شهوة الظهور، وتشكيل جماهير من المتابعين قادت البعض إلى تصوير نفسه في كل حركة يقوم بها، وكل نشاط، حتى إنه يعطي تفاصيل حياته التي لا تهم الآخرين من قريب ولا بعيد، فما الذي يهم المتابع ماذا أكل اليوم، وأين أكل، وماذا يلبس، ومن قابل، فالناس لا يهمهم الوقوف على تفاصيل ليست لها أي قيمة بالنسبة لهم. وإذا كانت عضلات الفم، واللسان هي أدوات الثرثرة في السابق فإن الصورة، سواء بالتعليق عليها، أو دون ذلك أصبحت أداة جديدة تضاف للأدوات الأخرى.
الشعور بالنقص، وحب الظهور، ولفت الانتباه، إضافة إلى التكسب تمثل أهدافا رئيسة لثرثار الماضي والحاضر، ولذا يتحدث البعض عن ثراء فاحش يحققه البعض من العطايا والهدايا أو من التسويق، والدعاية، نظرا للجماهيرية التي حققها الثرثار بعرضه تفاصيل التفاصيل.

إنشرها