FINANCIAL TIMES

«فوبيا» حدوث ركود عالمي جديد تكبح حماسة الأسواق

أقرب لحظة حصل عليها الاقتصاد العالمي لساعة الحساب، أزفت في وقت أقرب قليلا من منتصف الليل هذا الأسبوع، ما أثار المخاوف في كافة أنحاء الأسواق المالية.
يوم الأربعاء الماضي، كان منحنى العوائد الأمريكي – مقياس الانحدار الذي تشكله أسعار العوائد التي دفعتها سندات الخزانة الأمريكية في مختلف تواريخ الاستحقاق – انقلب رأسا على عقب للمرة الأولى منذ صيف عام 2007، حيث تدفع الحكومة الأمريكية الآن أقل العوائد للاقتراض لمدة عشرة أعوام مما هو لعامين.
على الرغم من أن هذه الظاهرة تبدو غامضة، إلا أن منحنى العوائد يتمتع بمجموعة متابعين ضمن المستثمرين، باعتباره متنبئ السوق الرائد لحالات الركود.
في العادة، ينبغي أن تدفع البلدان عوائد أقل من أجل اقتراض المال لفترات زمنية أقصر. عندما تنقلب هذه العلاقة، كان ذلك يعني تاريخيا نذيرا بحالات الركود الاقتصادي – حيث كانت تسبق كل حالة ركود في الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية.
تراجع مؤشر ف. ت
الانعكاس هذا الأسبوع هز أسواق الأسهم العالمية على الرغم من أن هذه الخطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، ما مدد تراجع مؤشر الفاينانشيال تايمز لكل العالم في آب (أغسطس) الجاري، إلى أكثر من 4 في المائة، حيث خشي المستثمرون من أن العد التنازلي للركود التالي، ربما يكون قد بدأ الآن.
يقول روبرت ميشيل، كبير الإداريين الاستثماريين في بنك جيه بي مورجان لإدارة الأصول: "منحنى العوائد واحد من أفضل الإشارات الموجودة. دقته تقبض الصدر".
منحنى العوائد في الأساس هو دلالة على الحكمة المستخلصة لملايين المستثمرين، من المدخرين الأفراد، والمستشارين الماليين والمصارف الصغيرة في الغرب الأوسط إلى صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط، وشركات التأمين الآسيوية، وصناديق التقاعد الأوروبية وشركات إدارة المال في وول ستريت.
إذا تراجعت التوقعات الاقتصادية، يغلب عليهم البحث عن الأمان وشراء السندات الحكومية، ما يؤدي إلى رفع سعرها وخفض عوائدها.
عندما تنخفض العوائد طويلة الأجل إلى أقل من العوائد على السندات قصيرة الأجل – التي ترتبط ارتباطا وثيقا مع أسعار الفائدة التي تحددها البنوك المركزية - فهذا يشير إلى أن المستثمرين يتوقعون ركودا وتراجعات وشيكة في أسعار الفائدة.
الرئيس دونالد ترمب قدم رأيه، حيث يلقي اللوم على بطء مجلس الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة، من أجل "منحنى العوائد المعكوس بجنون".
رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابقة جانيت يلين قللت من أهمية الانعكاس، حيث توقعت أن يتجنب الاقتصاد الأمريكي الركود، لكنها أقرت أن "الاحتمالات ارتفعت بشكل واضح، وهي أعلى مما أشعر معه بالراحة بصراحة".
قدرة منحنى العوائد على التنبؤ بالركود هي محل نقاش ساخن، لكن الانعكاس بلا شك دلالة على مخاوف سوق السندات المتزايدة من التباطؤ الاقتصادي العالمي.
تقديرات متفائلة من "الصندوق"
قلص صندوق النقد الدولي الشهر الماضي توقعاته للنمو العالمي إلى 3.2 في المائة لعام 2019 – وهو الأدنى منذ عقد.
يعتقد بعض خبراء الاقتصاد أن حتى هذا هو رقم متفائل فوق الحد. التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وهما القوتان الاقتصاديتان العظيمتان في العالم، ازدادت حدتها منذ توقعات صندوق النقد الدولي الأخيرة. الاقتصاد الألماني، وهو القوة الأوروبية الكبرى تقلص كذلك، ما يزيد من قلق السوق.
من أكثر مظاهر القلق إثارة للانتباه السندات التي يتم تداولها بعوائد سلبية، حيث إن كثيرا من البلدان – وحتى بعض الشركات – يدفع لها الآن الدائنون للاقتراض.
زادت سرعة هذه الظاهرة خلال الصيف بسبب ارتفاع التوقعات بأن البنوك المركزية ستضطر إلى تخفيف السياسة النقدية بقوة.
يتوقع كثير من المستثمرين أن هذه الخطوة ستمنع التباطؤ من أن يصبح ركودا، ويجادلون أن الذعر بشأن منحنى العوائد مبالغ فيه.
مع ذلك، هناك شعور من الكآبة ينتشر في كافة أنحاء الأسواق، مع عدم وجود علامات تذكر بأن الحرب التجارية ستختفي في أي وقت قريب.
كلما طال أمد التوترات، كانت خسائر الاقتصاد العالمي أكبر، وإذا تعمقت، يحذر المستثمرون من أن جميع الرهانات ستتوقف.
يقول بوب براون، كبير الإداريين الاستثماريين في شركة نورثيرن تراست: "نعتقد أنه نزاع يمكن السيطرة عليه، لكن إذا أصبح غير قابل للسيطرة وحصلنا على حرب تجارية كاملة، فهذا خطر حتى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، نفسه، لا يستطيع تجنبه".
لقاء في جاكسون هول
سيلتقي مسؤولو البنوك المركزية في العالم الأسبوع المقبل على مشارف جاكسون هول، وهي بلدة ريفية في وايومنج، من أجل ورشة السياسة النقدية السنوية التي ينظمها فرع الاحتياطي الفيدرالي في كانساس.
الموقع ذو المناظر الجذابة، الذي تم اختياره أول مرة ليلائم حب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق بول فولكر لصيد السمك، أصبح أحد الأماكن الرئيسية لمجموعة مختارة من صناع السياسة والأكاديميين والمستثمرين لمناقشة أكبر القضايا الاقتصادية. التباطؤ وطرق معالجته ستكون من المواضيع البارزة للذين سيحضرون لقاء هذا العام.
نحو 16 تريليون دولار من السندات يتم تداولها الآن بعوائد دون الصفر، أي نحو 27 في المائة من الإجمالي العالمي، وذلك وفقا لـ"دويتشه بنك".
أسعار الفائدة السلبية في اليابان وأوروبا، إضافة إلى الإنفاق المبالغ فيه على شراء السندات من البنوك المركزية، من العوامل المساهمة الرئيسية في الاتجاه الغريب للدائنين الذين يدفعون للمقترضين.
يقول المحللون إن المخاوف المتزايدة بشأن التوقعات الاقتصادية العالمية هي أيضا عامل كبير، مع استعداد المستثمرين للدفع مقابل ضمان سندات أكثر أمانا.
يقول ميشيل: "لا يوجد دليل قواعد لأسعار الفائدة السلبية. إنها منطقة مجهولة، وهذا ما يجعل البنوك المركزية تشعر بالقلق الشديد".
سوق سندات الخزانة الأمريكية تبقى حتى الآن بمنأى عن هذه الظاهرة. بيد أنه مع قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة الشهر الماضي، وتوقعات مزيد من التخفيضات القوية في المستقبل، فحتى الأمر غير المتصور فيما مضى: تحقيق سندات الحكومة الأمريكية لعوائد سلبية – أصبح ممكنا على الأقل.
قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق ألان جرينسبان هذا الأسبوع: "هناك مراجحة دولية مستمرة في سوق السندات التي تساعد في دفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى الأسفل. لا توجد عائق أمام عوائد سندات الخزانة الأمريكية لتُصبح دون الصفر. الصفر لا معنى له، إلى جانب كونه مستوى معينا".
لا تزال هناك مسافة لا بأس بها للاستمرار قبل أن تنخفض عوائد سندات الحكومة الأمريكية إلى منطقة سلبية، لكن انعكاس منحنى العوائد هذا الأسبوع هو دلالة على نوبة القلق الحالية المحيطة بالتوقعات الاقتصادية ويعمل أيضا على تفاقمها.
هناك كثير من الطرق لقياس شكل منحنى العوائد، مثل مقارنة سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما بتلك التي لأجل خمسة أعوام، أو عوائد السندات لأجل عشرة أعوام بسندات الخزانة الأمريكية لأجل ثلاثة أشهر – وهو إجراء شائع آخر انقلب رأسا على عقب في وقت سابق من هذا العام.
انعكاس منحنى عوائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام الذي حدث هذا الأسبوع شائع بشكل خاص، باعتباره نذيرا اقتصاديا لدى كثير من المستثمرين.
يقول جيم ريد، خبير استراتيجية أول في "دويتشه بنك": "على الرغم من أن المقاييس الأخرى لمنحنى العوائد الأمريكي انقلبت تدريجيا خلال الأرباع القليلة الماضية، إلا أن انعكاس عوائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام، هو الانعكاس الذي يقلقني أكثر من غيره. إن لديه أفضل أداء في تنبؤ حدوث ركود مقبل خلال دورات، أكثر من أي من المقاييس الأخرى".
تراجع مبرر للتشاؤم
ما يزيد من التشاؤم، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاما إلى أقل من 2 في المائة يوم الخميس الماضي، لأول مرة على الإطلاق، بعد أن وجهت الصين اتهامات للولايات المتحدة "بانتهاكات صارخة" لاتفاقهما التجاري السابق، وقالت إنها "ستضطر إلى اتخاذ التدابير المضادة اللازمة".
يجادل كثير من المستثمرين أن الكآبة مبالغ فيها. الاقتصاد العالمي يتباطأ، والحروب التجارية تشكل خطرا كبيرا، لكن بصرف النظر عن تحذير سوق السندات الصارخ، ليست هناك إشارات ملموسة تدل على أن الركود وشيك.
هذا صحيح بشكل خاص في الولايات المتحدة، حيث لا يزال يتم توفير الوظائف بطريقة سليمة ولا يزال إنفاق الأسر الأمريكية – الذي يمكن القول إنه المحرك الوحيد الأكبر للاقتصاد العالمي – قويا.
أشارت البيانات التي صدرت يوم الخميس إلى أن الإنتاج الصناعي انخفض في تموز (يوليو) الماضي، لكن مبيعات التجزئة كانت أقوى بكثير من المتوقع.
يقول ريك ريدر، كبير الإداريين الاستثماريين العالمي للدخل الثابت في شركة بلاك روك: "الأشخاص يستنبطون من تقدير بيانات الضعف في التصنيع إلى بيانات الخدمات والاستهلاك، وأنا لا أصدق ذلك".
يقول بعض المحللين إن القوى التنبؤية لمنحنى العوائد مبالغ فيها أو خاطئة، بسبب الحجم الكبير لعمليات شراء السندات ما بعد الأزمة من قبل البنوك المركزية وصناديق التقاعد. يجادل مجلس الاحتياطي الفيدرالي أنها تؤدي إلى خفض عوائد السندات طويلة الأجل بشكل مصطنع، وتجعل المنحنى نذيرا أقل دقة للركود.
علاوة على ذلك، كان شكل المنحنى مؤشرا ضعيفا على الركود خارج الولايات المتحدة. حتى هناك، الفترة الزمنية بين الانعكاسات وحالات الركود أصبحت أطول بشكل تدريجي على مدار الأعوام.
متوسط الفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بين الانعكاس والركود يبلغ نحو خمسة أرباع، لكن المنحنى انعكس قبل نحو عامين من الأزمة المالية لعام 2008.
آشيش شاه، كبير الإداريين الاستثماريين المشارك للدخل الثابت في بنك جولدمان ساكس لإدارة الأصول، يقول إن أسواق الأسهم لا تزال بعيدة عن احتساب ركود محتمل، على الرغم من المخاوف.
البنوك المركزية هل تدعم اقتصاد العالم؟
ويجادل بأن تراجع عوائد السندات دلالة بشكل أكبر على توقعات التضخم الهادئة، وتوقعات أن البنوك المركزية ستفعل مرة أخرى كل ما يلزم لدعم الاقتصاد العالمي.
يقول آشيش، "النقطة الرئيسية لسوق السندات هي أنه إذا تباطأ النمو فإن البنوك المركزية ستتصرف بشكل استباقي. وإذا لم يتباطأ النمو فلن تتصرف بقوة لرفع أسعار الفائدة".
بالنسبة إلى لقاء محافظي البنوك المركزية في جاكسون هول – والمستثمرين – فإن السؤال الذي قد يضطرون إلى مواجهته هو: ما إذا كانت القوى العظمى النقدية للاقتصاد العالمي قادرة على منع أي ركود في المستقبل، بعد أن استهلكت في الأصل كثيرا من قوتها؟
يبدو أن رئيس البنك المركزي الأوروبي، ماريو دراجي، عازم على إطلاق حافز كبير آخر قبل مغادرته المؤسسة في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، لكن أسعار الفائدة في منطقة اليورو سلبية في الأصل والبنك المركزي الأوروبي مضغوط من حيث القيود المفروضة على ما يمكن أن يشتريه من السندات الحكومية.
البنوك المركزية الأخرى أيضا ضغطت إلى الأدنى على السياسة النقدية، في حين أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لديه بعض المجال لخفض أسعار الفائدة، إلا أنه قد لا يكون لديه ما يكفي لمواجهة الركود العالمي الناجم عن حرب تجارية.
يقول ميشيل: "لا أعتقد أن هناك، بالمجمل، قوة كافية لدى البنوك المركزية. لولا الحرب التجارية لكانت لدينا فرصة لتجنب الركود، لكن في هذه المرحلة كل ما يمكننا فعله هو محاولة تخفيفه" فحسب.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES