أخبار اقتصادية- عالمية

سقوط إيطالي مرتقب تحت وطأة الدين

لا يزال العالم يبحث في مدى إمكانية إصابة الاقتصاد الدولي بالركود خلال الفترة المقبلة.
ومع تزايد القلق بهذا الشأن، فإن التحليلات والتقديرات تتركز حول سؤال أساسي: من أين ستنطلق الأزمة؟ وما الدولة التي يمكن أن يَجُرّ اعتلال اقتصادها العالم برمته إلى ما لا تحمد عواقبه؟
سؤال تتفاوت الإجابة بشأنه، ربما للوهلة الأولى تبدو الإجابة المنطقية والطبيعية أن الأزمة ستنطلق من الاقتصاد الأمريكي أو الصيني، فالاقتصادان يحتلان المرتبتين الأولى والثانية لريادة الاقتصاد الدولي، وإذا أصيب أي منهما أو كلاهما بركود اقتصادي، فإن ذلك كفيل بأن يأخذ الاقتصاد الدولي إلى مناطق معتمة، يعاني الجميع فيها تبعات الركود.
وعلى الرغم من أن أغلب الاقتصاديين لا يستبعدون حدوث الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة أو الصين، إلا أنهم يستبعدون أن يؤدي ذلك فعليا إلى أزمة اقتصادية طاحنة على غرار عام 2008.
إذن من سيتحمل مسؤولية تفجير الأزمة الاقتصادية المقبلة إن حدثت؟ ولماذا؟ وهل يمكن الإسراع بالقيام بعمل ما لنزع فتيل الانفجار المقبل؟
تشير أغلب التقديرات إلى أن الخطر يأتي تحديدا من إيطاليا؛ فأزمة مديونيتها تتجاوز قدرتها الفعلية على السداد، والقطاع المصرفي في حالة يرثى لها، والضغط شبه اليومي على المنظومة المصرفية الإيطالية في تصاعد، بطريقة بات المختصون يخشون من أن يستيقظ المجتمع الدولي يوما ما على أصداء انهيار أحد البنوك الإيطالية، لتكون تلك هي طلقة البداية لمسار طويل من الانحدار وانهيار الاقتصاد الإيطالي والأوروبي والعالمي.
في ظل تلك الروح التشاؤمية، يدعو كثير من المصرفيين ومختصي الاقتصاد الدولي، إلى الإسراع بمساعدة إيطاليا، ويحضون الاتحاد الأوروبي على اتخاذ إجراءات جذرية لمساعدة روما على الخروج من كبوتها، ومنع تفاقم الأزمة.
وانهيار الاقتصاد الإيطالي يعني عمليا وضع حد لأي طموحات آنية أو مستقبلية لمنطقة اليورو، وللاتحاد الأوروبي أن يكون رقما في السياسة الاقتصادية الدولية، والأكثر خطورة أن تأثير نظرية الدومينو سيمتد حتما إلى باقي أجزاء القارة الأوروبية والعالم برمته.
كيف يمكن توصيف الأزمة الاقتصادية الإيطالية؟ يختصر البروفيسور هاردينج هيل رئيس قسم الاقتصاد سابقا في جامعة لندن، والاستشاري في اللجنة الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي الوضع لـ"الاقتصادية" بقوله، "جوهر الأزمة الاقتصادية الإيطالية ككل الأزمات الاقتصادية الفردية والجماعية، أن تعيش وتحيا في مستوى يتجاوز قدراتك المالية، ولهذا تعتمد على الاستدانة والاقتراض، ومع مرور الوقت تقترض لتسديد ما عليك من ديون، وتتفاقم الأزمة، فتقترض لسداد فوائد الديون وليس الأصول، وتتفاقم المأساة عندما لا تجد أحدا يقوم بإقراضك، في الوقت الذي يحين فيه موعد سداد ما عليك من ديون".
ويضيف "هذا ما تقترب منه إيطاليا؛ فإجمالي الدين العام الإيطالي يبلغ حاليا 2.7 تريليون دولار، وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 132.2 في المائة، ويتوقع أن ترتفع تلك النسبة إلى 135 في المائة العام المقبل، لتصبح إيطاليا بذلك رابع دولة مدينة في العالم، بعد الولايات المتحدة واليابان والصين، والأعلى بالطبع في منطقة اليورو، هذا الدين لا يضع فقط علامات استفهام حول مستقبل إيطاليا الاقتصادي، لكن يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل منطقة اليورو، والأكثر خطورة الاقتصاد الدولي".
ويؤكد أن ضخامة الدين مشكلة لا شك فيها، لكن الأكثر خطورة أن إيطاليا دخلت ما يمكن وصفه "بالكساد الدائم"، وليس هناك استراتيجية أو رؤية واضحة لكيفية الخروج منه، واصفا إياها بكل وضوح بأنها رجل أوروبا المريض.
وسقوط إيطاليا تحت وطأة الدين العام، سيكون أكبر أزمة مالية في تاريخ أوروبا الحديث، فإيطاليا إحدى الركائز الثلاث لمنطقة اليورو ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
ويعتقد البعض أن أزمة الديون الإيطالية محصلة نهائية لمنظومة اقتصادية محملة بكثير من الأعباء التاريخية والثقافية والفساد والجريمة المنظمة وتداخلها في آليات عمل الدولة، وقواعد السوق غير المرنة، ما يوجد أجواء اقتصادية مشبعة بكل العوامل التي تقود إلى أزمة اقتصادية.
وتشير لورين ماتيس الباحثة الاقتصادية إلى أن إيطاليا والاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي، لن يكون في مقدورها الحيلولة دون انهيار النظام الاقتصادي الإيطالي، وأن أكثر ما يمكن أن تقدمه لروما ألا تجعل معاناتها عظيمة، مع تخفيف ألم السقوط.
وتقول لـ"الاقتصادية"، "إن كبح تفاقم الدين العام الإيطالي، يتطلب فرض إصلاحات ضريبية جذرية، وخفض الإنفاق الحكومي، وكلاهما لن يحظى بشعبية كبيرة في دولة فشلت فيها الأجور في مواكبة تكاليف المعيشة في السنوات الأخيرة، وكان النمو الاقتصادي في العقدين الماضيين كئيبا حتى قبل أن تدخل إيطاليا مرحلة الركود، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من العام الماضي والربع الأول من العام الجاري بنسبة 0.1 في المائة".
مع هذا يرى البعض أن إيطاليا على حافة الهاوية، وستظل على تلك الحافة، وفي أفضل الظروف ستمتلك إمكانية البعد عنها قليلا، لكنها لن تقع فيها، والسبب ألا أحد سيسمح بذلك أيا كانت التكلفة.
الدكتور مارك مليس أستاذ الاقتصاد الأوروبي في جامعة جلاسكو يعلق لـ"الاقتصادية" قائلا، "الغالبية العظمى من الديون الإيطالية مملوكة للبنوك، وتلك البنوك تقع داخل إيطاليا، إلا أن هناك جزءا كبيرا من الديون مملوك أيضا لبنوك أوروبية، ومن ثم فقدان الثقة بالاقتصاد الإيطالي لا يعني خسارة إيطاليا بمفردها، إنما خسارة أوروبا برمتها، فالجميع يعلم أن الإيطاليين لن يغرقوا بمفردهم، فسيأخذون جزءا كبيرا من أوروبا معهم إلى قاع اليم، وهذا ما سيجعل الأوروبيين حريصين دائما على أن يطفو الاقتصاد الإيطالي".
ويضيف "الأزمة الإيطالية تتفاقم في وقت تشهد فيه الاقتصادات الأوروبية الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا نموا ضعيفا، لكنها ستكون مستعدة دائما لمساعدة إيطاليا، لأن الامتناع عن ذلك يعني أنها ستنتقل من النمو الضعيف إلى الركود".
ويبدو أن الجميع يدرك تلك المعضلة، لكنه يلتزم الصمت، فإيطاليا تعلم تماما أنها لن تستطيع الخروج من أزمة الديون من خلال زيادة النمو الاقتصادي، فلكي تمنع نسبة ديونها من الارتفاع في السنوات الخمس المقبلة، على الاقتصاد الإيطالي أن ينمو بنسبة 1.3 في المائة.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الدولية الراهنة، يصعب توقع نجاح إيطاليا في ذلك، كما أن لإيطاليا تاريخا طويلا من تحقيق فائض في الميزانية، من دون أن تخفض نسبة الدين، كما أنها لا تستطيع تخفيض نسبة ديونها من خلال رفع معدلات التضخم، والسبب بسيط، حيث إنها لا تتحكم في معدلات التضخم المحلي، إنما المتحكم الرئيس فيها هو البنك المركزي الأوروبي، وبالطبع لن يسمح البنك بأن يسود التضخم في منطقة اليورو، حتى يفلح الإيطاليون في حل مشكلات ديونهم.
مع هذا يخشى البعض أن تنفجر الأزمة، رغم حرص الجميع على تفادي ذلك، فالنظام البنكي الإيطالي يعاني حالة من التضعضع والهزالة تثير مخاوف كثير من المختصين المصرفيين.
يان بويد المختص المصرفي يشير إلى أن البنوك الإيطالية ربما لا تكون الوحيدة في المشهد البنكي الأوروبي، التي تمر بأوقات عسيرة.
لكنه يؤكد لـ"الاقتصادية" أن البنوك الألمانية تمر أيضا بظروف حرجة، لكن الاقتصاد الألماني من القوة لمساندتها، بينما في إيطاليا يغيب هذا الوضع، فالنظام البنكي في وضع صعب للغاية في وقت يعاني فيه الاقتصاد أيضا.
ويشير بويد إلى أن بنك يوني كريديت أكبر البنوك الإيطالية، يخطط للتخلص من عشرة آلاف موظف أي نحو 10 في المائة من القوة العاملة للبنك، وعلى الرغم من أن للبنك أفرعا في 19 دولة وأكثر من 28 مليون عميل، ويعد أحد أكبر المجموعات المصرفية في أوروبا، وأصوله 91 مليار يورو، وهو ثالث أكبر البنوك الأوروبية والسادس عالميا، إلا أن معدلات الربحية في انخفاض، حيث هبطت العام الماضي بنسبة 29 في المائة مقارنة بعام 2017.
ربما الدرس الذي تعلمه العالم من أزمة 2008 أنه في عالم المال والأعمال، لا أحد كبير على السقوط، لكن بعض الاقتصادات تسقط ويُحدث سقوطها دوامات تغرق البعض، وأخرى تنهار فتحدث فيضانات تبتلع كثيرين.
أما إيطاليا فإن سقوطها سيكون بمنزلة تسونامي سيكتسح مساحات شاسعة من الاقتصاد العالمي، بحيث يمكن تأريخ اقتصاد القرن الـ21 بما قبل سقوط إيطاليا وما بعد السقوط.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية