«رحلة الكهرباء» والحضارة

|


نشر كتاب جديد لمايكل وبر أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة تكساس عن تاريخ تطور الطاقة الكهربائية وعلاقتها بتعقيدات التطور الحضاري Power Trip. يبدأ الكتاب منذ اكتشاف الإنسان النار وتسخيرها تدريجيا قبل أكثر من مليون عام. لم يحدث بعد ذلك تطور يذكر حتى تم استخدام مساقط المياه والرياح، لإضافة مزيد من القوة مع الحيوان إلى أن وصلنا إلى القرن الـ18، حيث تمكن المهندسون من تحويل الطاقة الحرارية من النار إلى طاقة عاملة بواسطة الماكينة البخارية وبها بدأت الثورة الصناعية. مع نهاية القرن الـ19 تمكن المهندسون أيضا من تحويل الطاقة الحرارية والمساقط المائية إلى كهرباء تستطيع تشغيل كل شيء من الهاتف الذكي إلى فرش الأسنان المتقدمة. يذكر الكتاب أن متوسط استهلاك الفرد عالميا يبلغ 75 مليون وحدة حرارية بريطانية، ما يكفي لغليان مسبح متوسط الحجم. يستخدم الأمريكي نحو أربعة أضعاف هذا العدد، لكن يقول وبر أيضا: ليس كل الطاقة توظف بحكمة فمثلا يذكر أن المياه المعلبة تستخدم ألف ضعف من الطاقة مقارنة بالمياه من الحنفية دون قيمة مضافة تذكر.
يجمع الكتاب الحديث عن الطاقة التي نستعملها داخليا أن الإنسان "يستهلك ألفي وحدة سعرية كل يوم كي يستمر في الحياة" وخارجيا في سياراتنا ومنازلنا. بعض الحقائق مدهشة فمثلا يذكر الكتاب أن استيراد الخراف من نيوزيلندا في بريطانيا أفضل من تربيتها، فحين يستورد البريطانيون الخراف يوفرون طاقة لأن الخراف في بريطانيا تعيش على الحبوب المزروعة بينما هناك تعيش على العشب الطبيعي حتى مع تكلفة النقل البحري التي هي أيضا أقل توظيفا للوقود من نقل الخراف بالشاحنات نسبيا. طبقا للكاتب، إنتاج الغذاء في أمريكا شديد التركيز على الطاقة energy intensive، حيث يستهلك نحو 10 في المائة من الطاقة في العالم مقارنة بالإضاءة التي تستهلك بين 3 و5 في المائة. إحدى المفاجآت على الأقل بالنسبة لي أن إنتاج الغذاء يسبب احتباسا حراريا أكثر من المواصلات. المواصلات مستهلك كبير للطاقة لكنها أيضا مصدر رئيس لتوليد الثروة وتمكين الحضارة. لكن التقدم ليس دون تكلفة، فحين يضرب عمال المواصلات العامة في ألمانيا يرتفع استعمال السيارات وبالتالي تزيد أمراض التنفس والذهاب إلى المستشفيات. الشاحنات في أمريكا تنقل 29 في المائة من البضائع وتسبب 77 في المائة من تلوث قطاع المواصلات، بينما القطارات تنقل 40 في المائة وتسبب 8 في المائة من التلوث. التغيرات تتطلب تغيرا في الاستثمارات والسياسات والعادات. أحيانا يصعب التنبؤ بالتأثيرات البيئية فمثلا لو توقف إنتاج اللحوم فإن إنتاج الأسمدة لابد أن يأتي من مصادر أخرى وبالتالي قد يكون هناك تأثير آخر في البيئة غير متوقع.
للكتاب جانبان الأول علمي وتاريخي في متابعة تطور وتسخير الطاقة إلى أن وصلنا إلى الكهرباء إذ هي المصدر المرن للطاقة في كل شيء نستعمله اليوم وما التوجه للسيارات الكهربائية إلا دليل آخر، والثاني: التحدي الاقتصادي البيئي. ما يذكره الكتاب من إحصاءات عن أمريكا أو غيرها ينطبق تقريبا على كل الدول بدرجة أو أخرى خاصة كلما وظفت الطاقة بتركيز أكثر في حياة مواطنيها الخاصة والعامة.
في المملكة تجربتنا أصبحت غنية وفريدة من حيث سرعتها في تسخير مقومات الطاقة للارتقاء المادي والاقتصادي وغنية من حيث التجربة في نواح مهمة مثل تجربة استهلاك المياه للزراعة في حقبة مضت لا نريد الدخول فيها إلى إعادة هيكلة دعم الوقود والكهرباء والاهتمام الجديد بالمواصلات العامة. لابد من إعادة التفكير والحزم في مراجعة أفضل الطرق بما يخدمنا اقتصاديا وبيئيا.

إنشرها