التفاؤل والتشاؤم حول مستقبل أسواق المال

|


كان الأسبوع الماضي وما قبله قاتما على الأسواق المالية العالمية، ولم يكن هذا مستغربا فجميع الرسائل الاقتصادية من جميع أرجاء المعمورة كانت وما زالت تنبئ بالركود، ركود بلغ بالصادرات الاقتصادية الألمانية حد الانكماش في الربع الثاني، وتباطأ الإنتاج الصناعي في الصين إلى أدنى مستوى منذ أكثر من 17 عاما، وتراجعت أسعار النفط بفعل هذه المخاوف كافة فمن سيكون متفائلا بانتعاش الطلب على النفط إذا كان الاقتصادان الألماني والصيني يعانيان الانكماش والركود تباعا مع ارتفاع مخزونات الولايات المتحدة منه. لم يكن هناك كثير مما يمكن التنبؤ به حيال مفاجآت اقتصادية تعكس اتجاه الحالة الراهنة، فالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين لم تزل على أشدها، ولو كانت تشبه الحرب الباردة حتى الآن من حيث بقاء خطوط الاتصال كافة مفتوحة بين الطرفين، والعوائد السلبية لكثير من السندات الدولية تلقي بظلال من الشك حول قدرة العالم ورغبته الصادقة في تجاوز المرحلة، ولعل المتشائمين يرون في هذه الصورة الاقتصادية دعما لهواجسهم.
لكن التفاؤل لم يزل يجد مكانا في الصورة فقد ارتفعت أسواق الأسهم العالمية بصورة جماعية تقريبا وبشكل مفاجئ أمس ولم يكن هناك كثير مما يمكن إيعاز هذا التفاؤل له سوى تلميح الصين إلى خطط لتحفيز النمو الاقتصادي، إضافة إلى النتائج المالية القوية لشركات صناعة الرقائق. ففي الجانب الصيني رغم المشكلات في الجزيرة المالية هونج كونج، إلا أن اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين قالت إنها ستطرح خطة لدعم الدخل القابل للإنفاق هذا العام وفي 2020 لتشجيع الاستهلاك مع تباطؤ الاقتصاد، لقد بدا للعالم أن الاقتصاد عند الصينيين بدأ يعود إلى مكانته المقدسة بدلا من السياسة، وهذا يجعل كثيرا من الشركات حول العالم تتوقع ارتفاع الطلب على منتجاتها من الموارد الخام ونصف المصنعة، فالاقتصاد الصيني يمثل قاطرة هائلة للاقتصاد العالمي، لقد حافظت هذه القاطرة على دعم خطط التيسير الكمي التي قادتها الولايات المتحدة إبان الأزمة المالية الخانقة عام 2008، وذلك بتعهد الصين بالحفاظ على النمو عند مستوى 8 في المائة، وقد نجحت حينها بالفعل. لقد مكنت تلك القاطرة من دعم الحراك الاقتصادي في الغرب عندما تحسن الطلب على المواد خاصة في القطاع التكنولوجي، لكن تلك الفترة المحمومة بالتقدم والازدهار في الصين هي التي تلقي بظلالها على المناورات التجارية بين الصين وأمريكا اليوم التي ترى أن هذا التقدم التكنولوجي الصيني جاء نتيجة حجم التسهيلات التي حصلت عليها الصين في تلك الفترة المشؤومة على الاقتصاد الأمريكي.
وبعيدا عن التفاؤل والتشاؤم، فمن الواضح تماما أن العالم لم يزل قادرا على الابتعاد عن شبح الركود فيما لو تجاوزت الدول عديدا من المشكلات السياسية القائمة، فتجربة الأزمة المالية العالمية عام 2008 والاستجابة الهائلة لخطابات التحفيز الصينية أوضحت أن تجاوز الأزمات الاقتصادية العالمية مرهون تماما بمدى القدرة على التعاون الصادق وتنظيم الأسواق والتفاعل الإيجابي فيما بينها، وأن النظرة أحادية الجانب لن تنجح في إزاحة أي مشكلة. وأثبتت التجربة السعودية إبان الأزمة النفطية عام 2014 وما بعدها أن الحل يكمن في الحوار الناجح والحوكمة الاقتصادية الشاملة، وإصلاح منظومتي العرض والطلب، على أساس قاعدة الجميع يكسب، وليس قاعدة الانتصار وحيدا، وأمام العالم فرصة حقيقية مع تكامل أركان صناعة الاقتصاد العالمي في المملكة عام 2020 في قمة الدول العشرين، وأن إصلاح حوكمة الاقتصاد العالمي وطريقة الحوار الجماعي والتكامل بين سلاسل القيمة المنفذ الوحيد الذي يمكن الخروج من خلاله، وأن العالم أمام تحول اقتصادي شامل ويجب عليه أن يتخذ القرار الصحيح من أجل الأجيال المقبلة وعدم الوقوع في أخطاء الماضي.

إنشرها