بئر النفط تمرض وتموت «1»

|


عند حفر بئر النفط ودخولها حيز الإنتاج التي يمكن أن نسميها مجازا مرحلة "الولادة"، تصدر من المهندس المسؤول شهادة ميلاد لتلكم البئر التي تحتوي على معلومات تفصيلية بالمعلومات الجيولوجية والهندسية عنها، على سبيل المثال: عمق البئر الحقيقي، وعمق القياس، ودرجات الميلان، وضغط المكمن النفطي، ونوع المعدات الموجودة داخل البئر وأعماقها بدقة متناهية وغيرها من المعلومات الأخرى المهمة التي لا يتسع المقال لذكرها. أود أن أشير هنا إلى نقطة مهمة متعلقة بعمق آبار النفط والغاز، حيث إنني لمست لبسا يقع فيه البعض، وهو التفرقة بين عمق القياس للبئر وبين العمق الحقيقي له. العمق الحقيقي هو المسافة بين فوهة البئر وبين أعمق نقطة عمودية في باطن الأرض، أما عمق القياس فيمكن تعريفه باختصار بأنه المسافة الكلية من فوهة البئر وحتى آخر نقطة وصل إليها "رأس الحفار". لتوضيح الصورة للقارئ الكريم عند حفر بئر عمودية فإن عمق البئر الحقيقي يساوي عمق القياس للبئر، أما في حال حفر بئر أفقية فدائما يكون عمق القياس للبئر أكبر من العمق الحقيقي للبئر. هذه المعلومات التي تم ذكر بعضها أعلاه مهمة جدا لمراقبة البئر مستقبلا، وكل تدخل مستقبلي لرفع كفاءتها يعتمد على هذه المعلومات بصورة أساسية. قبل أن أسلط الضوء على حياة البئر من ولادتها حتى موتها، أود أن أعرج في عجالة على مرحلة ما قبل الولادة وبعض المعلومات المهمة حول ذلك لعلها تصحح بعض المفاهيم الخاطئة لدى بعض غير المختصين.
تبدأ أولى مراحل التنقيب والاستكشاف بدراسة جيولوجية لسطح الأرض في المناطق المحددة للتنقيب، والغرض من هذه الدراسة الأولية البحث عن مؤشرات جيولوجية تدل على وجود صخور قديمة التكوين وانكسارات صخرية في باطن الأرض أدت إلى تكون مصائد نفطية في باطن الأرض تحبس النفط وتمنعه من التسرب. الجدير بالذكر، أن الأراضي المسطحة غير جاذبة للجيولوجيين وغير مبشرة غالبا بوجود مصائد نفطية. في حال وجد الجيولوجيون مؤشرات مبدئية إيجابية عن وجود مصائد نفطية في باطن الأرض، يبدأ استخدام التقنيات المتطورة لمعرفة طبيعة وأنواع الصخور للوصول إلى مؤشرات أقوى بوجود النفط في مكامنه في باطن الأرض. ومن هذه التقنيات على سبيل المثال لا الحصر الاستشعار عن بعد بواسطة الأقمار الصناعية "الموجات الكهروطيسية والرادارية" لدراسة القشرة الأرضية وتضاريس سطحها، وكذلك استخدام المسح المغناطيسي الذي يحدد نوع الطبقات الضاربة في العمق التي تتشكل تحت الطبقات المتوقع احتضانها للمصائد النفطية، أضف إلى ذلك استخدام تقنية الموجات الصوتية "السايزميك" لدراسة الطبقات التي يحتمل وجود مكامن النفط فيها.
كل العمليات السابقة رغم دقتها إلا أنها لا تؤكد وجود النفط بصورة قطعية، بل إن الغرض منها البحث عن المؤشرات والمواصفات الفيزيائية والكيميائية للصخور والطبقات التي قد تؤول إلى وجود النفط واحتباسه في مصائده. لذلك فإن حفر بئر تجريبية هو الخطاب الفصل للتأكد من وجود النفط، ولمعرفة أن الكمية الموجودة مجدية اقتصاديا للاستمرار واستخراجه. إن تحقق ما سبق من وجود النفط والجدوى الاقتصادية، تخرج من رحم هذا الحقل النفطي آبار كثيرة ومن هنا تبدأ حياة البئر.

إنشرها