ليشهدوا منافع لهم

|


انتهت قبل عدة أيام مناسك الحج التي أداها الحجاج بسلاسة ويسر. وكان موسم الحج ناجحا بتوفيق الله سبحانه وتعالى أولا، ثم بجهود وتسخير إمكانات هذه البلاد وشعبها ومؤسساتها والقائمين والمسؤولين عنها. ويبذل المسلمون الغالي والنفيس للقيام بالحج والعمرة وإتمام أركان الإسلام المطالب بها كل مسلم. ويوفر كثير منهم لأعوام طويلة ليتمكنوا من الوصول إلى مكة وأداء فريضة الحج وزيارة البيت العتيق، حتى لو اضطر بعضهم إلى بيع مساكنهم. لكن أهمية الحج الدينية لا تمنع أن يشهد الحجاج وسكان الديار المقدسة منافع دنيوية عظيمة. ومن أول هذه المنافع: تآلف المسلمين من أرجاء الأرض كافة ومن جميع الأعراق والأجناس. ويتشكل خلال موسم الحج مجتمع يسوده السلام، وتنتشر في أرجائه المودة والبذل والإحسان، وتذوب فيه الفوارق وتنصهر فيه أطياف البشرية بتفرعاتها كافة في بقع جغرافية صغيرة تعلمهم أن الناس أمة واحدة، وتتيح لهم التعايش والتعرف على بعضهم بعضا. ويا ليت المسلمين حكاما وشعوبا شيبا وشبابا ونساء ورجالا وعلماء وأفرادا في أرجاء المعمورة كافة يعيشون مشاعر وتجربة الحج في منازلهم ومدنهم وبلدانهم، حيث يمثل الحج فرصة سانحة كل عام لنشر المودة والتعالي على الخلافات والتشاحن بينهم ونصرة المظلومين ودعم الضعفاء والمحتاجين منهم.
للحج والعمرة ووجود الأماكن المقدسة منافع وفوائد عظيمة على هذه البلاد من أبرزها البركات التي تحل عليها، وتفردها بشرف خدمة الحجاج ورعاية الأماكن المقدسة، واكتسابها مكانة روحية مميزة لدى جميع المسلمين. إضافة إلى ذلك يعود الحج والعمرة بمنافع اقتصادية لسكان هذه البلاد والقادمين إليها، حيث يرتفع الطلب على السلع والخدمات بشكل كبير في المناطق المحيطة بالأماكن المقدسة والطرق الموصلة إليها. ومن أبرز المستفيدين المحليين من منافع الحج قطاع الضيافة كالفنادق وأماكن الإيواء السياحي الأخرى والخدمات المساندة كخدمة إعداد وتقديم الطعام. إضافة إلى ذلك تنتعش تجارة التجزئة في الأماكن المقدسة والطرق المؤدية إليها، كما يتضاعف الطلب على خدمات النقل. تستفيد أيضا قطاعات أخرى من الحج كالخدمات المصرفية وخدمات حملات الحج وزيارة الأماكن المقدسة والآثار الإسلامية العريقة. وعموما توفر أنشطة الحج والعمرة كثيرا من الوظائف في مكة والمدينة والأماكن والطرق المؤدية لهما. في المقابل يستفيد بعض حجاج الخارج خلال الموسم من خلال جلب وتسويق السلع التي تشتهر بها بلدانهم.
تتحمل المملكة بوجه عام والقطاع الحكومي بشكل خاص تكاليف ضخمة لإدارة مواسم الحج والعمرة والعناية بالأماكن المقدسة وهي مستعدة لتحمل مزيد. يتحمل القطاع الخاص مسؤولية كبيرة لتعظيم الاستفادة من مواسم الحج والعمرة وذلك من خلال بذل مزيد من الجهود وزيادة الابتكار ورفع نوعية وكفاءة أنشطته. وتحتل خدمات الضيافة والإيواء والإقامة في مناطق المشاعر المقدسة والطرق إليها أولوية كبيرة. وهناك تحسن كبير في دخول عدد من الدول الإسلامية والمسلمين المقيمين في الدول الغربية والراغبين في إنفاق مزيد مقابل خدمات أفضل. ويسري هذا التحليل أيضا على قطاع النقل والشحن والتصدير الذي عليه توفير خدمات النقل والشحن والتصدير المناسبة لشرائح الحجاج والمعتمرين بميزانيات متنوعة.
يكتسب رفع مهارات وكفاءة الأيادي العاملة في منشآت الضيافة وأماكن الإيواء السياحي -من خلال التدريب والتعليم والتصنيف- أهمية كبيرة في رفع القيمة المضافة من الأنشطة ذات العلاقة. وهناك عديد من الخدمات والسلع المرتبطة بخدمات الإيواء والنقل التي يمكن زيادة القيمة المضافة فيها من خلال مزيد من الاستثمار والابتكار وتدريب الأيدي العاملة. إضافة إلى ذلك يحتاج الحجاج والمعتمرون إلى خدمات مالية متعددة، التي ما زال عديد منها يتصف بالتقليدية، التي يمكن تطويرها من خلال الهندسة المالية سواء من قبل المؤسسات المالية ذاتها أو مؤسسة النقد العربي السعودي، لتلائم التطورات المتلاحقة في الخدمات المالية.
يمكن تسويق المنتجات الوطنية من السلع والخدمات من خلال إقامة معارض لهذه السلع والخدمات في أماكن وطرق وجود ومرور الحجاج والمعتمرين، أو في المطارات والموانئ والمنافذ البرية، أو من خلال توزيع أصناف منها على هيئة هدايا للحجاج والمعتمرين. كما يمكن دراسة إمكانية تأسيس مناطق حرة لتبادل السلع والخدمات سواء في صالات الحجاج أو الأماكن المقدسة والطرق المؤدية إليها، حيث يسمح فيها للحجاج بجلب سلع ضمن قيم معينة، وتعفى فيها المنتجات الوطنية من الرسوم والضرائب وبالتالي يستفيد الجميع.

إنشرها