طفرة الإصدارات السيادية الخليجية والتحولات الاقتصادية

|


في تحليل مميز لـ"الاقتصادية" أشارت فيه إلى أن أسواق الدخل الثابت الخليجية تمر بمرحلة "طفرة" في الإصدارات السيادية، فقد ارتفع حجم الإصدارات السنوية لأدوات الدين الخليجية (من السندات والصكوك) خلال العام الماضي، بنسبة 431 في المائة مقارنة بعام 2008، إذ بلغت 79 مليار دولار مقارنة بـ14.8 مليار دولار، وهذا في عام واحد فقط، بينما بلغت قيمة أدوات الدين الخليجية القائمة (تم إصدارها في الأعوام الماضية ولم يحن أجل إطفائها) 382 مليار دولار (شركات وحكومات) ولحكومات المنطقة منها ما قيمته 182 مليار دولار، وهذه النتيجة تثير الأسئلة حول هذا التوجه الجماعي، وعن مساراته في المستقبل.
من المدرك أن أدوات الدين تنقسم إلى سندات دين وصكوك إسلامية، فإذا كان حجم الدين العالمي 100 تريليون دولار فإن حصة الصكوك منها لم تزل قليلة حيث تبلغ 443.7 مليار دولار، وقد تصل إلى 2.7 تريليون بحلول عام 2030، بينما 90.44 في المائة من تلك الصكوك تعود إلى السعودية، الإمارات، ماليزيا، البحرين وإندونيسيا. والصكوك الإسلامية مرتبطة بأصول إنتاجية في العادة وهذا يفسر كثيرا من الإصدارات التي تقوم بها الحكومات الخليجية ومنها السعودية، وأيضا يفسر حجم الإقبال الكبير على هذه الإصدارات وتوجه مؤشرات عالية مثل مؤشر "جي بي مورجان" بإضافة الديون الخليجية إلى مؤشراتها الرئيسة، فالحكومات الخليجية تتجه إلى تمويل المشاريع الرأسمالية المنتجة من خلال أدوات الدين عموما خاصة الصكوك الإسلامية، وتتجنب تمويل الميزانية التشغيلية من خلال هذه الأدوات، وهذا هو ما يجعل الجاذبية عالية لهذه الأدوات من جانب أن هناك أصولا كافة كضمانات إضافية والاستدامة الاقتصادية متوافرة، إضافة إلى الاتجاهات المتسارعة إلى تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على النفط، وهذا يضمن تدفقات نقدية مستمرة. وفي عالم استثماري من الفائدة السلبية فإن ظهور أدوات الدين الخليجية وفي هذه الوقت بالذات هو بمنزلة طوق نجاة وبديل مناسب لكثير من المؤسسات، والمصارف المحلية والصناديق الاستثمارية مثل صناديق التقاعد في المنطقة على وجه الخصوص.
تشير تقارير "الاقتصادية" إلى أن أداء سندات المنطقة الخليجية في الأسابيع الماضية تفوق على أداء بقية أدوات الدين الشرق أوسطية وشمال إفريقيا وتركيا، فيما يتفوق الطلب على أدوات الدين الخليجية الجديدة على المعروض في السوق، ويترقب المستثمرون استئناف الإصدارات فهناك سيولة تنتظر أن يتم استثمارها بإصدارات جديدة. هذه الطفرة في أدوات الدين وهذا المسار المتصاعد يعطي مؤشرات أخرى عديدة من بينها توقعات بتحسن أداء الصناديق المحلية والإقليمية خاصة صناديق التأمين، كما أن من المتوقع مع تدفق هذه الأموال إلى المنطقة أن تتسارع وتيرة إنجاز المشاريع الاستراتيجية، ومن ذلك المشاريع الترفيهية في المملكة كمشروع القدية، وأيضا المشاريع الكبرى مثل مشروع نيوم، والبحر الأحمر ومشاريع البنى التحتية بشكل عام، وهذا التسارع يدعم تحقيق أهداف "رؤية المملكة 2030" ويدعم التوظيف والنمو الاقتصادي عموما خارج منصة النفط، ولهذا فإن المسار عموما يشير إلى طفرة اقتصادية كبرى قد تلي هذه الطفرة في أدوات الدين، خاصة أن المملكة ودول الخليج توجه هذه الأدوات نحو مشاريع رأسمالية استراتيجية كبرى، ومن المتوقع أيضا أن تشهد المنطقة تحولات اقتصادية رئيسة مع افتتاح كل هذه المشاريع في وقت واحد، وهو الأمر الذي قد يجذب الاستثمارات والأموال مجددا للمنطقة في سلسلة من موجات النمو الصاعدة التي تستفيد منها الأسواق المالية بجدارة ولعل اقتصادات المنطقة تمر بمرحلة نضج، وأيضا استقلالية تجعلها محط أنظار العالم للحياة والعيش بسلام.

إنشرها