تحديات الحج اللوجيستية والتخطيطية والبشرية

|


الحج يعد أكبر تجمع بشري في العالم على المستوى العددي والمكاني والزماني، وبمعدل سنوي 2.3 مليون حاج على مدى عشرة أعوام ماضية، كما بلغ في عام 2012 أكبر تجمع للحجاج في العقد الماضي 3.1 مليون؛ لذا تظل إدارة مدينة صغيرة في ظل ظروف جغرافية معقدة مثل مكة تحديا لوجستيا كبيرا على الحكومة وشركات التجزئة والنقل والخدمات اللوجيستية والبيئية والمياه والاتصالات وإدارة خدمات السكن والإقامة في الفنادق والشقق والمخيمات كمستوى غير رسمي.
لا يمكن لأي مدينة في العالم على المستوى اللوجستي أن تكون قادرة على استيعاب تدفق مليوني زائر خلال فترة قصيرة لا تتجاوز خمسة أيام، مع تحرك جماعي نحو مكان واحد وفي الوقت نفسه، هذا التدفق غير التقليدي يشكل هاجسا أمنيا وصحيا ولوجيستيا، إضافة إلى سلامة الناس من مخاطر التدافع أو التعثر، بسبب حركة الحشود الكثيفة.
الحج يتطلب سلسلة من المنظومات الإدارية المعقدة على المستوى الأمني والصحي والبلدي والخدمات اللوجيستية المتنوعة، إضافة إلى ضرورة وجود بنية تحتية ضخمة قادرة على تحمل تدفق ملايين الحجاج لفترة قصيرة جدا، كما أن تلك المنظومات الحكومية وغير الحكومية كالشركات والجهات التطوعية يجب أن تعمل بشكل متناسق ومنسجم لتقديم خدامتها لمدينة مكة خلال تلك الفترة القصيرة للغاية.
أما على مستوى التواصل مع الحجاج، فيشكل ذلك تحديا من نوع آخر؛ نتيجة لاختلاف اللغات، ولا سيما أن معظم الحجاج من كبار السن ويأتون من دول فقيرة وغير متعلمين بالدرجة الكافية، ولك أن تتخيل صعوبة إدارة مركز اتصال يستقبل آلاف الاتصالات خلال لحظات على المستوى الأمني أو الصحي، ولا سيما أن هذا النوع من الخدمات يعد الوقت فيه أمرا حاسما؛ لأن سرعة الاستجابة تعني الحياة أو السلامة لمن يطلب الخدمة.
أما التحدي الاستراتيجي الآخر الذي لا يقل أهمية عن التحدي اللوجيستي، فهو التحدي التخطيطي لإدارة مشاريع مكة والمشاعر خلال العام، ولا سيما أن مكة يجب أن تكون جاهزة لاستقبال الحجاج سنويا، والمعتمرين على مدار العام، ما جعل إدارة المدينة في تخطيط دائم.
أما التحدي البشري وكفاءة القوى البشرية فيعد العمود الفقري في كل ما سبق، على سبيل المثال، الخدمات الصحية تتطلب مستوى متقدما من الكفاءات البشرية؛ تعليم وتأهيل طبيب استشاري يحتاج إلى ثلاثة عقود حتى يحصل على الدرجة الاستشارية؛ لذا أدركت السعودية ذلك مبكرا واستثمرت في تأهيل وتدريب أبنائها على الصعيد الوطني في جميع المجالات الطبية والهندسية والفنية والإدارية والقيادية. ما نراه في الحج من قدرات وكفاءات سعودية ما هو إلا نموذج من ذلك الطيف الواسع على الصعيد الوطني.
أخيرا، كل تلك الجهود الجبارة تقوم بها الحكومة السعودية بشكل مجاني، ومن دون أن تكشف عن التكاليف الحقيقية التي تتحملها في سبيل إدارة الحج، وضمان راحة ضيوف الرحمن.

إنشرها