FINANCIAL TIMES

الفائدة السلبية .. مفهوم مجنون بدأته السندات اليابانية

الإقدام على استثمار من المؤكد أن يخسر المال يبدو كشيء قد يكلفك وظيفتك، لكن في أسواق السندات أصبح ذلك حقيقة حياة؛
سندات بقيمة 15 تريليون دولار – ما يقارب ربع السندات التي أصدرتها الحكومات والشركات في جميع أنحاء العالم – تُتداول الآن بعوائد سلبية، هذا يعني أن الأسعار مرتفعة جدا بحيث إن المستثمرين متأكدون أنهم سيستردون أقل مما دفعوه، من خلال الفوائد ورأس المال، إذا احتفظوا بالسندات حتى تاريخ الاستحقاق. من الناحية العملية، هم يدفعون لشخص ما لرعاية أموالهم.
انتشار السندات ذات العوائد السلبية أثار تساؤلات عميقة حول التدابير غير العادية التي أقدمت عليها البنوك المركزية في محاولة لإنعاش الاقتصاد خلال العقد الماضي، في الوقت نفسه، رحلة أسواق السندات عبر الظروف المعاكسة أحبطت كثيرا من المستثمرين.
ديفيد هوفمان، مدير محفظة سندات في "برانديواين" في فيلادلفيا قال "أموال مجانية، إنه مفهوم مجنون، بعد أن نشأتُ في عالم مختلف تماما، من الصعب التجول في هذه البيئة".
ظهرت أسعار الفائدة السلبية أول مرة قبل عقدين في أسواق المال اليابانية، منذ الأزمة المالية التي اجتاحت أسواق السندات الحكومية في اليابان والسويد وسويسرا والدنمارك ومنطقة اليورو، جميعها اقتصادات تعاني انخفاضا في التضخم، حيث حدد البنك المركزي أسعار الفائدة دون الصفر. اضطر المستثمرون التوّاقون للعوائد إلى البحث في أماكن أخرى، ما ضمن انتشار العوائد دون الصفر وخفض تكاليف الاقتراض في كل مكان.
نتيجة لذلك، أصبحت جوانب الشذوذ الآن كثيرة، أصدر البنك الدنماركي "جيسك بانك"، الأسبوع الماضي سندات قروض عقارية لأجل عشرة أعوام بسعر فائدة يبلغ سالب 0.5 في المائة، ما يعني أنه يُدْفَع لمالكي المنازل للاقتراض، في الوقت نفسه، البنك السويسري UBS يعتزم فرض رسوم على عملائه الأثرياء مقابل الاحتفاظ بنقودهم.
حتى أجزاء كبيرة من أسواق سندات الشركات تتداول الآن بعوائد دون الصفر، بما في ذلك أجزاء من سوق السندات الخطرة "ما يجعل تسميتها "ذات العوائد العالية" أمرا مثيرا للسخرية". الأسواق الناشئة لم تكن حصينة أيضا؛ السندات التي أصدرتها بولندا وجمهورية التشيك وهنجاريا انضمت إلى النادي.
يتطلع المستثمرون الآن إلى معرفة ما يمكن أن يصبح الحدود التالية لثورة العوائد السلبية، أكبر سوق سندات على الإطلاق.
قال يواكيم فيلس، المستشار الاقتصادي العالمي في "بيمكو"، وهي شركة استثمار السندات العملاقة القائمة في نيوبورت بيتش في كاليفورنيا "في المرة المقبلة التي يدخل فيها الاقتصاد العالمي حالة سبات، من غير المرجح أن تكون سندات الخزانة الأمريكية – الملاذ الآمن المطلق باستثناء الذهب – استثناء، وإذا استمر تصعيد الحرب التجارية، فقد نصل إلى هناك بشكل أسرع مما تعتقد".
المستثمرون يتكيفون على مضض، قبل كل شيء، كانت شركات إدارة الصناديق تعمل في عالم حيث تكون جميع أسعار الفائدة نسبية، وهذا ينطبق على أسعار الفائدة السلبية أيضا، إذا حدد أي بنك مركزي سعر فائدة أساسيا بنسبة سالب 0.4 في المائة، فإن العائد بمقدار صفر على السندات الحكومية الآمنة للغاية قد يبدو جذابا.
قال مايلز برادشو، رئيس الدخل الثابت الإجمالي العالمي في "أموندي"، واحدة من أكبر شركات إدارة الصناديق في أوروبا "الصفر أصبح مجرد رقم آخر، على الأقل بالنسبة إلى الأسواق إلّم يكن في الاقتصاد الحقيقي، لا يمكنك الحصول على سعر فائدة خال من المخاطر أعلى من صفر، وكل شيء آخر نسبي".
ثم هناك التضخم الواهن الذي يجعل أصول الدخل الثابت أكثر جاذبية. في الواقع، في حين إن العوائد الاسمية السلبية قد تبدو جديدة بشكل يحير العقل، إلا أن العوائد "الحقيقية" السلبية، بعد تعديلها لارتفاع الأسعار، هي أمر شائع نسبيا.
جيم ليفيس، رئيس قسم الفائدة الثابتة للتجزئة في "إم آند جي" للاستثمار في لندن، يتذكر توفير مصروفه لشراء مجموعات ألعاب ليجو في السبعينيات في حساب توفير بريد كان يعرض سعر فائدة نحو 10 في المائة، "كان التضخم في بعض الأحيان أعلى بكثير من ذلك، لذلك كون أموالك تنمو هو مجرد وهم".
إذا استمرت البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة – كما هو متوقع أن يفعل البنك المركزي الأوروبي في أيلول (سبتمبر) – فإن عوائد السندات من المرجح أن تنخفض أيضا. النظرة القديمة التي ترى أن الصفر سيكون الحد الأدنى لأسعار الفائدة قد تحطمت، مع ذلك، يشعر معظم المحللين بأنه لا يزال هناك نوع من الحد، فقط هو أقل قليلا مما كانوا يعتقدون من قبل.
آدم بوسن، صانع سياسة سابق في بنك إنجلترا يتولى الآن منصب رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، قال "إلى أي مدى يمكنك خفض أسعار الفائدة، يعتمد على النقطة التي تبدأ فيها الحصول على نتائج عكسية".
هناك عدة أسباب للاعتقاد أن تلك النقطة قد تكون قريبة، أو حتى إنها وصلت منذ فترة في اقتصادات مثل سويسرا، حيث تبلغ أسعار الفائدة الآن سالب 0.75 في المائة. في مرحلة ما، يجادل بوسن بأن المدّخرين سيفضلون وضع السندات في خزنة بدلا من الخضوع لأسعار الفائدة السلبية العقابية.
هذا يعني أن المستثمرين قد لا يكونون قادرين على ركوب موجة العوائد السلبية بعد الآن، على الرغم من أن عوائد السندات في مستويات منخفضة تاريخيا منذ أعوام، إلا أن شركات إدارة الصناديق عوضت بشكل كبير نقص العوائد بمكاسب الأسعار المرتفعة على محافظها مع ارتفاع السندات. بمجرد أن تتعثر مكاسب الأسعار، ستفكر في مشهد استثمار سندات قاتم للغاية.
قال هوفمان، "أشعر بالقلق من أنك تعتمد على أسعار فائدة منخفضة للغاية، يبدو كأن سوق السندات تعاني نوعا من نوبة الذعر، لكن ماذا سيحدث عندما ترتفع الأسعار؟ إنها لعبة خطيرة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES