FINANCIAL TIMES

ألمانيا تغيرت .. غابت الرصانة وحل العنف واللهجة العدائية

منذ تعرض سيارته لهجوم في العام الماضي، بدأ فرات كوجاك في تدوين لوحات أرقام السيارات التي يراها في الشارع، أصبح يتنقل من منزل إلى منزل ويصعب عليه النوم، قال "أستيقظ عند سماعي أدنى صوت، الخوف موجود دائما".
كوجاك، المسؤول في الحزب الألماني اليساري Die Linke، يرى أن حياته تغيرت في إحدى ليالي شباط (فبراير) 2018 عندما أشعل أشخاص مجهولون النار في سيارته، امتد اللهب إلى المنزل الذي كان هو ووالداه نائمين فيه، قال "لو لم أستيقظ في الوقت المناسب، لقتلت النيران عائلتي".
اعتُقل رجلان من اليمينيين المتشددين في حي نيوكولن الذي تسكنه الطبقة العاملة في برلين، للاشتباه في تنفيذهما الهجوم، لكن أُطلق سراحهما بسبب نقص الأدلة.
في حزيران (يونيو)، أصيب الألمان بصدمة جراء مقتل فالتر لوبكه، مسؤول محلي في منطقة هيس الوسطى وأول سياسي ألماني يُغتال من قبل متطرف يميني في تاريخ البلاد ما بعد الحرب.
قلما تحدث مثل هذه الهجمات، لكنها نتاج ثقافة سياسية متغيرة أصبحت وحشية بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، ظهور مشنقة خشبية كتب عليها "محجوزة لأنجيلا (ماما) ميركل"، المستشارة الألمانية، في مظاهرة يمينية متطرفة في دريسدن قبل أربعة أعوام، لقي شجبا وإدانة واسعة النطاق في ذلك الوقت، لكن منذ ذلك الحين أصبحت مثل هذه المظاهر المهينة المعادية للسياسيين من التيار الرئيس أمرا شائعا.
كان الألمان مشهورين بنقاشهم الرصين، لكن تدفق نحو مليون مهاجر في عام 2015 وصعود الحزب القومي "البديل لألمانيا" أدى إلى زيادة في الاستقطاب وحدّة النبرة، واستخدام لهجة أكثر عدوانية أثارت قلق المؤسسة السياسية.
الرئيس فرانك-فالتر شتاينماير أعرب أخيرا عن أسفه لـ"الاستفزاز والضوضاء ومظاهرات الغضب اليومية" في وسائل التواصل الاجتماعي، وقال "إن الألمان يحتاجون إلى إعادة تعلم كيف يتناقشون من دون أن تزبِد أفواههم".
قلق السلطات هو أن الهجمات اللفظية قد تتحول في بعض الأحيان إلى شيء أسوأ، أعمال العنف التي ارتكبها المتطرفون من اليمين واليسار في عام 2018 بلغت 2098، مقارنة بـ1678 في عام 2012، هناك زيادة نسبتها 25 في المائة.
حتى حزب البديل لألمانيا نفسه ليس محصنا ضد هذه الهجمات. تساءل أندرياس كالبيتز، رئيس الحزب في ولاية براندنبيرج، شرقي ألمانيا "من الذي تعرض لمعظم الهجمات"؟ وأجاب "مكاتب سياسيي حزب البديل لألمانيا التي تتعرض للتدمير بشكل روتيني".
جورج بازدرسكي، زعيم حزب البديل لألمانيا في برلين، تم تحطيم سيارته ورشق منزله ونوافذه بالطلاء، أوي يونج، مسؤول حزب البديل لألمانيا، كسر فكه في هجوم في عام 2016، فرانك ماجنيتز، من مكتب الحزب في بريمين، نُقل إلى المستشفى بسبب تعرضه لارتجاج في كانون الثاني (يناير) بعد أن هاجمه أشخاص مجهولون.
ألقى بازدرسكي اللوم على "عدم وجود محظورات لغوية" في السياسة الألمانية الحديثة، "لم تعد هناك أي حدود، سواء لدى اليسار أو اليمين".
استُهدف موظفو الخدمة المدنية ومسؤولون آخرون أيضا، قال أندرياس هولشتاين، عمدة بلدة ألتينا في غرب ألمانيا "نشهد زيادة حقيقية في العنف اللفظي والجسدي ضد موظفي القطاع العام، ورؤساء البلديات، وحتى الموظفين الإداريين".
هولشتاين نفسه تعرض لهجوم وحشي في عام 2017، عندما تلقى طعنة في الرقبة من قبل رجل معارض لنهجه الليبرالي تجاه اللاجئين، وفي أواخر أيار (مايو) قال "إن متصلا مجهولا أخبرني أنه (سيكون هناك هجوم آخر علي قريبا جدا، وهذا الهجوم سيكون أنجح من الأول)".
كشف استطلاع حديث أن 2 في المائة من 11 ألف عمدة في ألمانيا تعرضوا لاعتداء جسدي في الأعوام الأربعة الماضية، بينما قال أكثر من ربع المستشارين المحليين "إنهم عانوا سوء معاملة شخصية بسبب آرائهم في سياسة الحكومة بشأن اللاجئين".
مدينة برلين بصورة خاصة هي بؤرة ساخنة للعنف، وفقا لـ"موبايل كونسلتينج" Mobile Counselling وهي منظمة غير حكومية مناهضة للتطرف اليميني، كان هناك 55 هجوما ذا دوافع سياسية في العاصمة الألمانية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، معظمها ضد السياسيين اليمينيين أو النشطاء المؤيدين للاجئين، يزيد هذا العدد على 50 حادثا من النوع نفسه خلال الفترة بين عامي 2009 و2015.
بيانكا كلوزه، رئيسة منظمة موبايل كونسلتينج، قالت "يبدو أن فشل السلطات في حل قضية كوجاك والحوادث المماثلة شجع اليمينيين، الآن لا يقتصر الأمر على هجمات إشعال الحرائق عمدا، أصبحت هناك تهديدات بالقتل أيضا، إنها حملة ترهيب ضخمة".
تنفي السلطات تهمة أنها لا تأخذ هجمات اليمينيين على محمل الجد، قال شخص مطلع على تحقيق بشأن الهجوم على سيارة كوجاك "من الصعب جدا التوصل إلى نتائج في هجمات الحرائق المتعمدة، لأن الجناة غالبا لا يتركون خلفهم أي أثر".
لكنه أكد أن عمليات البحث في منازل المشتبهين الأصليين - أحدهما لديه علاقات مع النازيين الجدد - أدت إلى العثور على "قائمة هجمات" تستهدف 26 سياسيا وضابط شرطة، مع عناوينهم الخاصة.
وزارة الداخلية الألمانية ألقت الضوء على وجود مثل هذه القوائم في الأسبوع الماضي، وقالت "يبدو أن عشرات منها تحتوي على بيانات "عشرات الآلاف من الأشخاص"، يمتد نطاقها من صحافيين ومسؤولين من القطاع العام ونشطاء إلى أفراد عاديين ناشطين في معركة مكافحة التطرف اليميني"، قال هورست سيهوفر، وزير الداخلية، "إن هدف القوائم هو زرع انعدام الأمن والخوف".
كالبيتز يرى أن ظاهرة العنف اليميني شهدت نوعا من المبالغة، "استغلها اليسار، هي ليست منتشرة على نطاق واسع بالقدر الذي تحاول وسائل الإعلام إظهاره".
لكن السلطات تقول "إن هناك الآن 12700 متطرف يميني في ألمانيا مستعدين لاستخدام العنف، مقارنة بـ9500 شخص في عام 2010. في الأسبوع الماضي في مدينة فاخترسباخ، وسط ألمانيا، تم تأكيد احتمال سفك الدماء عندما أصيب رجل من أرتيريا بعد أن أطلق عليه النار شخص يشتبه في أنه قومي يميني، وفي الأسبوع الماضي أيضا، فجر أشخاص مجهولون متفجرات خارج منزل مستشار محلي من الحزب اليساري Die Linke في بلدة زيتاو الشرقية.
منذ أن أشعلت النيران في سيارته، أصبح كوجاك يتنقل باستمرار، ويعيش فيما يطلق عليه حالة من "التوتر العصبي"، كما ازداد وضعه سوءا منذ حادثة مقتل لوبكه، وقال "بعد لوبكه، دائما ما تراودني فكرة أنه في أي لحظة يمكن أن يخرج شخص من الزاوية ويقتلني بطلقة مسدس، أخشى حتى من الخروج من الشقة".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES