هذه ليست «السويد» التي أعرفها!

|


تسلمت عملي ومنصبي الجديد في واحدة من أرقى الجامعات في السويد قبل نحو ثلاثة أشهر، ورغم سعادتي العارمة بالمنصب الجديد، إلا أن فرحتي لم تدم طويلا. وقبل أن يضرب القارئ الكريم الأخماس بالأسداس سعيا إلى معرفة السبب، أقول إن قنوطي لا علاقة له بعملي المهني كأستاذ اللغة والإعلام ومشرف على الدراسات العليا.
حزني على ما آل إليه الوضع في السويد، مقارنة بالأعوام الأولى لمجيئي إلى هذا البلد قبل نحو ثلاثة عقود.
ما يدور في خلدي لا علاقة له بالرخاء المادي، الناس هنا في بحبوحة، والاقتصاد ربما لم يكن مزدهرا كما هو عليه الآن.

ما الخطب، إذن؟
المسألة تكمن في تردي الأمن في هذا البلد الذي كان أمينا، بدأت أحس لأول مرة منذ نحو 30 عاما أنه علي الحذر، كي لا تسرق مقتنياتي الشخصية.
في السابق، أي عند قدومي إلى السويد، كنا نترك أبوابنا مفتوحة، ومن النادر أن نقفل سياراتنا، هذا أصبح من الماضي. بعض الناس بدأ يركّب أكثر من قفل على مكتبه أو بيته أو سيارته. في آخر زيارة لي إلى استوكهولم العاصمة وددت أن أركن سيارتي في موقف عام، قبل زيارة صديق لم ألتقِه منذ فترة ليست قصيرة، لكنني لم أتجرأ على ترك السيارة هناك، وعدت أدراجي إلى الفندق.
قد يصاب بعض القراء بالخيبة إن عرفوا السبب، لماذا؟ لأن الناس بصورة عامة في مختلف أنحاء العالم ينظرون إلى السويد ليس كواحة الرخاء المادي والرفاهية فحسب، بل بقعة الأمن والأمان.
تخليت عن زيارة صديقي لأنني خشيت ترك السيارة في المرآب، كانت هناك لوحة كبيرة عليها توقيع وختم الشرطة المحلية مكتوب فيها "الرجاء إفراغ سيارتك من أي أمتعة وأجهزة ومقتنيات شخصية، وإلا فإن اللصوص سيفرغونها لك".
لم أصدق عينيّ، اتصلت بصديقي بعد عودتي إلى الفندق، وقلت له "بحق السماء هل هذا صحيح"؟ قال "نعم، كل من يوقف سيارته في المرآب في منطقتنا يفعل ذلك على مسؤوليته، والشرطة لم تعد تتكفل بذلك".
عودة إلى الجامعة التي أعمل فيها حاليا، في السابق كان لكل أستاذ مفتاح عمومي يمكنه من الدخول إلى أي غرفة، من ضمنها غرفة رئيس القسم وغرفة العمادة والإدارة.
رويدا رويدا، بدأت مساحة المفتاح العمومي في التقلص، فصار المفتاح هذا يعمل ضمن القسم الواحد فقط، وبعد تقارير عن فقدان أجهزة الحاسوب ومحافظ من غرف الأساتذة والمكتبة، سمحت الإدارة لأي أستاذ بالحصول على قفل ومفتاح خاص بغرفته.
يبدو أن هذا الأمر لم يكن ناجعا في ردع السرقات، لذا قررت الجامعة اللجوء إلى شركات الأمن السويدية، وبالمناسبة، السويد تبز العالم في تكنولوجيا الأمن، ولها نحو 20 شركة تمسك بزمام الأقفال والمفاتيح الرقمية والمعدنية وغيرها في أغلب الدول.
وقبل يومين، قدمت إلى الجامعة وإذا بي أرى نتوءا بارزا في القفل الخاص بباب غرفتي، جاء قرار الجامعة مفاجئا، حيث بُدِّلت كل المفاتيح والأقفال ببطاقات إلكترونية، تقدم معلومات مذهلة عن الداخل والخارج ويُتَحَكَّم فيها عن بعد. ليس هذا فقط، في مثل هذا الوقت، أقضي أوقات فراغي في الغابات لجمع التوت البري، الذي أطبخه كمربى أو أحفظه في المجمدة لاستخدامه في الشتاء.
والغابة التي أرتادها محمية، أي فيها الخدمات كافة، وعندما ذهبت لقضاء الحاجة في الحمام، شاهدت أمرا كاد يوقف شعر رأسي، لقد استقدمت البلدية أقفالا كبيرة لتثبيت ورق الحمام، كي لا يُسرَق.
ليس لدي أي إحصاءات أو أرقام عن عدد السرقات أو الجرائم في السويد؛ لكن حتى بوجودها، فإن نقلها قد لا يمنحنا انطباعا حقيقيا، لأن ما هو جريمة هنا أو مخالفة قد لا يعد كذلك في بلدان أخرى.
المتداول شعبيا حاليا أن قدوم الأجانب وراء فقدان أو انحسار الأمن، هذا بالطبع ليس صحيحا، لغياب أي أدلة إحصائية عليه.
ومن ثم، فإن القانون السويدي يحرم تدوين أو ذكر لون أو جنسية أو عرق أو دين أي شخص يقترف عملا يخالف القانون، حتى أسماء المخالفين وصورهم يمنع ظهورها في الإعلام.
الشرطة لديها أرقام فقط، وهذه الأرقام لا تشير إلى أي زيادة مطّردة في المخالفات والسرقات أو الجرائم في غضون الأعوام الأخيرة.
هناك من يعزو الهستيريا السويدية للحفاظ على الأمن والوقاية إلى شركات الأمن السويدية، التي ربما تكون وراء بث حالة من الفزع ليس في السويد فحسب، لكن في مختلف أنحاء العالم.
تبلغ قيمة المبيعات السنوية لشركة أمن سويدية واحدة - هي سكيوريتاس أب Securitas AP - نحو مائة مليار كرونة سويدية "الدولار يساوي حاليا تسع كرونات"، هذه الشركة فقط تشغل نحو 290 ألف عامل. ربما ليس هناك قفل إلكتروني في العالم إلا ويحمل اسمها، أليس من مصلحتها أن نبدل مفاتيحنا وأقفالنا وكاميرات المراقبة التي لدينا وأجهزة الإنذار التي نستخدمها بين الفنية والأخرى؟ استدامة المبيعات ونموها هو بمنزلة الأكسجين لأي شركة في النظام الرأسمالي.

إنشرها