تبعات «بريكست» تزعزع اقتصاد بريطانيا

|


كل الناس في بريطانيا يحذرون من مغبة خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي "بريكست" دون اتفاق باستثناء الحكومة الجديدة فيها. فهذه الأخيرة بقيادة بوريس جونسون جاءت إلى الحكم رافعة شعار الخروج في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) المقبل بأي صيغة كانت. وموضوع الانسحاب من عضوية هذه المجموعة الكبيرة دون اتفاق بات يسيطر على الساحة المحلية تماما لعدة أسباب، أولها أن الاتحاد الأوروبي لن يفاوض على الاتفاق الذي وقعه أصلا مع لندن في عهد حكومة تريزا ماي السابقة إلى جانب تمسك مجلس العموم -البرلمان- بموقف أغلبه رافض لانسحاب بريطاني بلا اتفاق. وموقف هذا المجلس هو في الواقع الذي عجل من خروج ماي من السلطة، لأنها لم تستطع تسويق اتفاقها مع أوروبا فيه.
لكن الانسحاب بلا اتفاق ليس أمرا سهلا على المملكة المتحدة. فهذه الأخيرة بنت على مدى نصف قرن تقريبا علاقات متشابكة مع الكتلة الأوروبية، وتخلصت من قوانين محلية لمصلحة القوانين الأوروبية، وأنشأت واقعا يصعب إزالته. ومن أبرز حقائق هذا الواقع، اعتماد بريطانيا على أكثر من 90 في المائة من أدويتها على الأوروبيين، ناهيك عن استيراد بين 30 و40 في المائة من غذائها من القارة الأوروبية، فضلا عن وجود أكثر من 1.3 مليون بريطاني يعيشون فعلا في الدول الأوروبية، ونحو ثلاثة ملايين أوروبي يقيمون في المملكة المتحدة نفسها. وغير ذلك من الترابط الذي لا يمكن الخلاص منه بانسحاب بين ليلة وضحاها. ما يعني أن الخروج باتفاق هو الأفضل بالنسبة للبلاد التي لا يمكنها أن تتحمل تحولات مفاجئة في مجالات الإمدادات والتعاون والعلاقات التجارية والأمنية وغيرها.
بالطبع قامت الحكومة السابقة بتجنيب مليارات الجنيهات الاسترلينية لمواجهة خروج بريطاني من الاتحاد الأوروبي بلا اتفاق. وهذه الأموال لا تختص فقط بسد النقص المتوقع لهذه الإمدادات، بل تشمل أيضا مواجهة الارتفاع الطبيعي لأسعار السلع في أعقاب الخروج الفوضوي. ناهيك بالطبع عن تراجع قيمة الجنيه الاسترليني الذي وصل إلى مستويات دنيا مخيفة مع إمكانية أن يصل إلى أدنى من ذلك أعقاب الخروج بلا اتفاق. كل التوقعات من الجهات المختصة، تتحدث عن ارتفاعات في أسعار المواد الغذائية الرئيسة بمعدلات تراوح بين 6 و10 في المائة. وعلينا أن نتخيل فقط كيف يمكن مواجهة هذه الحقيقة، بينما تعاني العملة الوطنية تراجعا كبيرا. ما يحدث الآن أنه بدأت شرائح من البريطانيين بتخزين ما أمكن من السلع، خوفا من ارتفاع أسعارها، وأيضا تجنبا لنقصها في الأسواق.
كل شيء سوف يتعرض لـ"الإصابة" جراء الانسحاب البريطاني بلا اتفاق، فحتى الجامعات ومراكز البحوث العلمية، عبرت عن مخاوفها من النقص في التمويل والمواد والتعاون المباشر مع العلماء والأساتذة. وعلى هذا الأساس يتحرك السياسيون الرافضون لمثل هذا الخروج من أجل تعطيل كل محاولات الحكومة الجديدة لتأمين الخروج في وقته المحدد بصرف النظر عن طبيعة هذا الخروج. ومن هؤلاء السياسيين نواب في حزب الحكومة نفسه الذين لم يتردد بعضهم في الإعلان أنهم سيصوتون لإسقاط حكومتهم في البرلمان في سابقة لم تحدث في التاريخ الحديث للبلاد.
الأسابيع القليلة المقبلة ستكون مليئة بالصراعات والخلافات والاتهامات وغير ذلك بين السياسيين أنفسهم. والأمر هادئ الآن، لأن مجلس العموم في عطلته الصيفية التي تنتهي أول الشهر المقبل.

إنشرها