من تجربة قاعدة القرار التجاري الأمريكي «2 من 2»

|


استعرضت في المقال السابق قضية Shlensky v. Wrigley، وبعد عرض شيء من وقائعها، التي يطلب فيها مساهم من الأقلية محاسبة رئيس مجلس الإدارة وبقية الأعضاء على قرارهم، وتوقفت عند جواب المحكمة.
بدأت المحكمة بالاستشهاد بقواعد أساسية من قضايا أخرى، منها ما نقلته أن المحكمة تنص على ما معناه، "أنه أساسي في قانون الشركات أن أغلبية المساهمين يسيطرون على سياسة الشركة وينظمون تجارتها وممارستها لأفعالها القانونية... كل شخص يشتري سهما في شركة فهو بشكل متضمن يوافق على أنه سيكون ملزما بالأفعال والإجراءات المتخذة من أغلبية المساهمين، من خلال وكلائها المختارين من قبل هؤلاء الأغلبية ضمن نطاق صلاحياتهم الممنوحة في نظامها الأساس أو عقد التأسيس"، ثم يستمر النقل لتؤكد المحكمة أمرا وهو "أن المحاكم لن تقوم بالتحكم في سياسة أو طريقة إدارة العمل التجاري لشركة حتى لو كانت ترى أن هناك سياسة أكثر حكمة يمكن تبنيها، وأن العمل التجاري سيكون ناجحا لو تم اتباع أساليب أخرى...".
كما نقلت المحكمة نقلا آخر من محكمة أخرى، مؤكدة أن هذا النقل يمثل معايير قانون تايلور الأمريكي، حيث تذكر المحكمة ما معناه، "نحن الآن لدينا رؤية بين مديرين مسؤولين عن شركة وأغلبية غالبة من الشركاء في كفة، وأقلية معترضة في الكفة الأخرى؛ تعارض يلامس مسائل في سياسة العمل التجاري كان سببا في طلبات لا تعد ولا تحصى، تطلب من المحاكم التدخل في تحديد أي الرؤيتين المتعارضتين يجب أن تنتصر. إجابة المحاكم عن هذه الطلبات أنه ليس من عمل المحكمة حل أو الإجابة عن أسئلة الشركات المتعلقة بإدارة العمل التجاري وسياسته، وأن المديرين تم اختيارهم ليحلوا هذه المسائل وليبدوا اجتهادهم فيها ما لم تكن متسخة بالتزوير أو الخداع، وإلا تعد قراراتهم نهائية. قرار مديري شركة ما يتمتع بفائدة افتراض أنه كان قرارا مبنيا على حسن نية، وكان ليعزز أفضل مصالح الشركة التي يخدمونها".
ونقلت عن محكمة أخرى قولها ما معناه، "في شركة تجارية محضة... صلاحية المديرين في إدارة تجارة الشركة يجب أن تعد مطلقة أو حاسمة عندما يكون الفعل ضمن القانون والمحكمة، لا صلاحية لها تستبدل رأي المديرين برأيها". وفي ختام القضية، حكمت المحكمة بتأكيد المحكمة السابقة، ولم تحكم في القرار التجاري، ولم تحكم على الشركة وأعضاء مجلس الإدارة.
مثل هذا التوجه يوجد ما يعارضه وله أسبابه، وله مناصرون ولهم استدلالاتهم، لكن يهم عند النظر إلى مثل هذه المسائل والموازنة بينها وبين غيرها، تأمل المكان أو البيئة التي يتم تبني تلك الأفكار فيها مع ربطها بالهدف المستقبلي لهذه البيئة، كما في حالة المملكة التي تطمح إلى إيجاد بيئة محفزة لقطاع الأعمال والمستثمرين من الداخل والخارج. في ظل صدور نظام الشركات الجديد 1437هـ، الذي احتوى على مسائل أكثر تتعلق بالمديرين نسبيا عما كان عليه نظام الشركات القديم 1385هـ، وفي ظل صدور لائحة حوكمة الشركات 1438هـ الصادرة عن هيئة السوق المالية، والتوجه نحو الحوكمة، فإنه من المهم مراعاة، والأخذ في الحسبان، أهمية إعطاء مساحة كبيرة محفزة للأعمال والمؤهلين لقيادة الشركات، وألا يكون السعي نحو معالجة مشكلة إهمال مجالس إدارات سببا في جعل مجالس الإدارات مكانا غير مرغوب فيه، فالمديرون أو مجالس الإدارات لا يفترض أن يكونوا محملين بمسؤوليات عدا الإهمال أو الاحتيال أو التصرف للمصلحة الشخصية، أو من صنف هذه الممارسات، كما يفترض ألا تقحم المحاكم في الأعمال التجارية حتى تصبح كأنها جهة استشارية. فكما أشير إلى القضايا السابقة وغيرها، فإن ذلك ليس من اختصاص المحاكم، بل هو خارج قدرتها كما ذكرت، فالمحاكم تقوم بتقرير أفضل الوسائل لنجاح التجارة. والمنطلق في هذا الأمر يكون بصراحة الأنظمة في الحالات التي يتدخل فيها القضاء، وهي - مثلا - حالات التدليس أو الخداع والتزوير وما في صنفها، أما النظر إلى خطأ القرار التجاري أو صحته؛ فهو خارج اختصاص المحاكم.

إنشرها