FINANCIAL TIMES

أين مدققو الحسابات .. لماذا لم يحذرونا؟

كلما انهارت شركة كبيرة انهيارا جليا – مثل شركة إنرون في عام 2001، المصارف في عام 2008، وشركة كاريليون في العام الماضي – نجد المستثمرين يطالبون ويتساءلون: أين كان مدققو الحسابات، ولماذا لم يحذرونا؟
شركات التدقيق الأربع الكبرى - "بي دبليو سي" و"كيه بي إم جي" و"ديلويت" و"إي واي" - ترد دائما بالقول إن المستثمرين والسياسيين لديهم توقعات غير واقعية بشأن ما يفعله مدققو الحسابات، بالنظر إلى حجم المال والوقت الممنوح لهم لأداء عملهم.
لم يمنع ذلك الولايات المتحدة من تشديد القواعد في قانون "ساربانس - أوكسلي" لمساءلة الشركات، الصادر عام 2002، من ضمنها عمليات تدقيق إلزامية للضوابط الداخلية. الشركات ومدققو الحسابات اشتكوا بمرارة من تكاليف الامتثال.
إخفاقات المصارف الأوروبية في الأزمة المالية أثارت موجة إضافية من القواعد الجديدة، والآن انهيار "كاريليون" دفع المملكة المتحدة إلى التفكير في المضي قدما وإجبار الشركات على فصل التدقيق عن الاستشارات. المخاوف بشأن ارتفاع التكاليف بدأت تتجسد بالفعل.
هذا الشهر، أرسلت "إي واي" رسائل إلى جميع عملائها في مؤشر فاينانشيال تايمز 350 تحذر من أنها ستزيد رسوم التدقيق بسبب "قوى السوق غير المسبوقة"، في الوقت الذي تقلص فيه "كيه بي إم جي" تعرضها لقطاع المؤسسات المالية، جزئيا بدافع المخاوف من أن المقرضين الصغار لا يمكنهم تحمل دفع تكاليف ثمن العمل الإضافي الذي يجب إجراؤه الآن.
مدققو الحسابات يقولون إن هناك ثلاثة محركات رئيسة تدفع باتجاه رسوم أعلى. أولا، الاتحاد الأوروبي قرر مطالبة الشركات بتقديم تدقيقاتها للحسابات مرة واحدة كل عقد وتغيير مدققي الحسابات كل 20 عاما على الأقل. الدخول في مناقصات والتعرف على عميل جديد يزيد التكاليف، والعقود الأقصر تعني أن الاستثمار في أشخاص جدد وفي التكنولوجيا لا يمكن تمديده على مدار أعوام عديدة.
ثانيا، الهيئات التنظيمية البريطانية وواضعو معايير المحاسبة الدولية يطالبون المدققين بتحديث لعبتهم من خلال تقديم نماذج أكثر تطورا لمواجهة المخاطر، إضافة إلى مزيد من الوثائق تبين ما فعلوه لتحدي افتراضات الإدارة.
ثالثا، إذا اضطرت الشركات لتقسيم التدقيق والاستشارات، فيجب عليها ضمان أن تكون أعمال التدقيق مربحة في حد ذاتها، بدلا من كونها عاملا رئيسيا في خسائر الشركة الأكبر.
معظم الشركات الأربع الكبرى، إلى جانب "جرانت ثورنتون"، وهي الشركة الخامسة، أعلنت، أو نفذت، عمليات توظيف كبيرة في إطار سعيها إلى جمع مدققي حسابات ذوي خبرة وخبراء نمذجة، إضافة إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة.
في "إي واي" أدى ذلك إلى إرسال رسائل تحذر من ارتفاع الرسوم. هيويل بول، رئيس التدقيق، يوضح أن الزيادة "تعكس الاستثمارات المهمة التي نفذناها بالفعل في التكنولوجيا الجديدة، والامتثال التنظيمي والموهبة، إضافة إلى إدراك تكاليف المناقصات والتبديل. يتعلق الأمر بإجراء عمليات تدقيق مستدامة وعالية الجودة".
"كيه بي إم جي" لم ترسل رسائل رسمية، لكنها كذلك تحذر العملاء من تأثر التكاليف المترتبة على المعايير الأكثر صرامة، وإعادتها النظر في رسومها. الشركة التي اعتادت تدقيق حسابات نصف المؤسسات المالية في المملكة المتحدة، تخلت عن نحو عشرة عملاء في هذا القطاع. جزء من هذا يرجع إلى التدوير الإلزامي، لكن ثمة أيضا دافعا ماليا. "إننا نتأكد من أننا نتقاضى أجرا مناسبا عند تنفيذ مزيد من العمل"، حسبما تقول ميشيل هينككليف، رئيسة قسم التدقيق في "كيه بي إم جي".
في الوقت الذي تستعد فيه حكومة المملكة المتحدة لمزيد من الإجراءات الصارمة، يجدر التساؤل عما إذا كانت الشركات والمستثمرين يحصلون على مقابل لأموالهم مما تم إنجازه بالفعل.
في الولايات المتحدة، بمجرد حل المشكلات الأولية، أصبح قانون ساربانس - أوكسلي مجرد جزء آخر من المشهد التنظيمي. وجدت دراسة أجريت عام 2017 أن الشركات التي حددها مدققو الحسابات باعتبارها شركات ذات ضوابط داخلية ضعيفة كانت عرضة بنسبة تزيد على 80 في المائة لأن تتكشف فيها عمليات احتيال مستقبلية.
في المملكة المتحدة، قواعد تغيير مدققي الحسابات لها تأثيرها. إحصاءات "بي دبليو سي" تبين أن 287 من شركات مؤشر فاينانشيال تايمز 350 قدمت بيانات تدقيق حساباتها منذ عام 2012، وأن 73 في المائة منها غيرت مقدمي الخدمات. من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت رؤية جديدة ستؤدي إلى تدقيق أفضل في أوروبا، لكن دراسات أمريكية وجدت أن الشركات التي لديها مدققين جدد تتمتع بمعدلات إعادة تقييم أعلى بكثير من تلك التي استمرت في تعاملها مع شركة واحدة.
المملكة المتحدة تحتاج إلى مدققي حسابات ذوي شجاعة وقوة يكونون على استعداد للوقوف في وجه أصعب المديرين. "جرانت ثورنتون" خطت خطوتها الأولى بإخبار المنظمين أنها تعتزم الاستقالة من كونها مدققة حسابات شركة سبورتس دايركت بعد أن كشفت شركة البيع بالتجزئة عن فاتورة ضريبية قيمتها 674 مليون يورو قبل ساعات فقط من موعد توقيع الحسابات. إن كان ذلك ذا تكلفة أكثر قليلا، فإنه يستحق العناء تماما.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES