بكين وواشنطن .. التجارة من سيئ إلى أسوأ

|


"الولايات المتحدة انتهكت بشكل خطير الهدنة التجارية بينها وبين الصين"
تشن ده مينج، وزير التجارة الصيني

لا توجد مؤشرات تدل على أن انفراجا قريبا ربما يحدث على صعيد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. الحاصل هو تصاعد التوتر تلو الآخر بين الجانبين، بحيث باتت الأخبار عن المفاوضات التجارية الثنائية بلا قيمة، بينما هناك جهات تقول إن هذه المفاوضات بلا جدوى. بالفعل تبدو أنها منسية، أو على الأقل لا أحد يريد أن يعلن نهايتها الحتمية، لكن في كل الأحوال تبقى ضرورية "بصرف النظر عن فشلها"، لماذا؟ لأنها ستظل مخرجا ضروريا في المستقبل، خصوصا إذا ما حدث نوع من المرونة من جانب كل من بكين وواشنطن. والعالم "دون استثناء" يفضل وجود المفاوضات المشار إليها، في ظل التردي الاقتصادي العالمي، أو لنقل في وقت يتباطأ فيه النمو العالمي بصورة مقلقة جدا، أزالت "الأفراح" التي ظهرت لفترة قصيرة في أعقاب الإعلان عن انتهاء تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية، بعد عشر سنوات من انفجارها.
لنترك المفاوضات البائسة جانبا، ولندع الرؤى المختلفة حولها على الهامش الآن. الذي يجري على أرض الواقع، أن الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم تتصاعد، وأن هذه الحرب تترفع لتشمل دولا أخرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. ولعل أهم المعارك هذه تلك التي بدأت للتو مع فرنسا، على خلفية قيام هذه الأخيرة بفرض ضرائب مرتفعة على شركات التكنولوجيا الأمريكية. فالإدارة الأمريكية الحالية ترى أنه من حقها هي أن تفرض هذه الضرائب، وليس أي حكومة أخرى. ماذا فعلت؟ هددت بفرض رسوم جمركية إضافية على الصادرات الفرنسية للولايات المتحدة، مع قيام الرئيس الأمريكي نفسه بنعت نظيره الفرنسي علنا بـ"الغباء". وباريس لم تنتظر طويلا لترد النعت بالمستوى الغريب نفسه في العلاقات السياسية الدولية.
في هذه الأثناء تحركت واشنطن على صعيد تراجع قيمة اليوان الصيني، وعدَّت حكومة بكين تقوم بذلك عمدا، وأنها تتلاعب بالعملة منذ زمن، وأن ترمب نفسه حذر من هذا التلاعب حتى قبل انتخابه رئيسا للبلاد، وأن الإدارة الأمريكية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التلاعب، وأن عليها أن تنتظر مجموعة جديدة من الرسوم الجمركية الإضافية، هذه المرة ستشمل كل صادراتها إلى الولايات المتحدة. على هذا الأساس، ستشهد العلاقات قريبا فرض رسوم تصل إلى 300 مليار دولار على السلع الصينية، بعد أن فُرِض أصلا أكثر من 250 مليار دولار على بعض هذه السلع في الآونة الأخيرة. في الواقع، قُضِي نهائيا على كل أجواء التفاؤل التي ساعدت الاتصالات بين بكين وواشنطن خلال انعقاد قمة "مجموعة العشرين" الأخيرة في اليابان.
يمثل تراجع قيمة العملة الصينية أزمة على الساحة الأمريكية، ولا يبدو أن المسؤولين الأمريكيين سيتركون الأمر يمر هكذا، على الرغم من أن إجراءاتهم ضد السلع الصينية تؤثر سلبا حتى في الجانب الأمريكي نفسه، عبر ارتفاع أسعار المواد الأولية والمعدات القادمة من الصين. ليس مهما الآن التصنيفات التي تطلقها الحكومتان الصينية والأمريكية على بعضهما بعضا، ما يهم العالم هو التوصل إلى حل ما للحرب التجارية بينهما، لكن الأمر ليس بهذه السهولة، في ظل جمود مواقف الطرفين، إلى درجة أن اتهم الأمريكيون نظراءهم الصينيين بأنهم يقومون بهذه الممارسات للتأثير في الانتخابات الأمريكية المقبلة، في محاولة لتقليل حظوظ ترمب في البقاء في السلطة. بالطبع ترفض الصين هذه الاتهامات، وتقول إنها لا تتدخل "مثلا" في تحديد مستوى قيمة اليوان!
خفض قيمة العملة الصينية، يمثل "بصرف النظر عن طبيعة النيات" بالفعل سلاحا في الحرب التجارية، وهو رد مباشر على الإجراءات الأمريكية برفع الرسوم الجمركية على سلع هذا البلد. وهبوط اليوان، لا يؤثر فقط في الحراك التجاري مع الولايات المتحدة، بل يشمل أيضا عشرات الدول التي تتعامل مع الصين تجاريا. غير أن الجانب الأمريكي يبقى في الصدارة في هذا الشأن، بفعل الحرب التجارية المباشرة الدائرة حاليا، فالصين "مثلا" امتنعت عن استيراد جانب من السلع الأمريكية، ولا سيما تلك التي تختص بالمجال الزراعي، ما زاد الضغوط على الشركات في الولايات المتحدة، التي بدأت تطالب بصوت عال بإنهاء ما يجري على الساحة بين الجانبين، على أساس، أنه لا يوجد منتصر في هذه الحرب، علاوة على التأثيرات السلبية في الاقتصاد العالمي ككل.
ليس سهلا إثبات أن الصين تتلاعب بعملتها؛ فهذا الأمر يتطلب وقتا وتحريات ومعلومات وأدلة، رغم أن بإمكان أي دولة التلاعب بعملتها بسهولة، عن طريق قيام مصرفها المركزي بشراء العملات الأجنبية الأخرى المؤثرة. والمصيبة، أنه ليس من السهل حاليا التوصل إلى تفاهم ما بين الولايات المتحدة والصين، وسط هذا التوتر المتصاعد بينهما، دون أن ننسى أن المعارك الأخرى تستعر بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية نفسها، التي تنظر إلى السياسة التجارية الأمريكية على أنها طاردة لأي تفاهم ممكن. لا توجد علامات مبشرة في المستقبل القريب.

إنشرها