FINANCIAL TIMES

ألمانيا على موعد مع قوة ناعمة بقبضة حديدية

أتيحت أول فرصة كبيرة لكرامب-كارنباور في عام 1998 عندما شغلت مقعد سارلاند الشاغر في البرلمان الألماني. لقد كان قرارا صعبا: فقد كان ابنها الثالث لا يزال رضيعا.
في مقابلة تلفزيونية العام الماضي، تذكرت أنها "كانت تبكي يومها طوال الطريق إلى برلين"، حيث كان فكرها مشغولا بكيفية الانفصال عن أسرتها الصغيرة.
لم ينجح هذا الترتيب، إلا لأن زوجها تخلى عن وظيفته: اتفق الاثنان على أن من يكسب أقل يجب أن يبقى في المنزل ويعتني بالأطفال.
بعد ذلك بعامين، تم تعيينها في حكومة سارلاند، لتصبح أول وزيرة داخلية لألمانيا من الجنس الآخر.
يقول بيتر ياكوبي، وزير مالية سارلاند آنذاك "قال الناس، آه، امرأة شابة، كيف ستتعامل مع الشرطة والقانون والنظام، والكوارث الطبيعية؟ كان هناك كثير من الشك. إلا أنها أثبتت خطأ المشككين".
مع ارتقائها السلالم، بقيت متجذرة في مجتمعها. يقول سبايشر "تكون في طابور الخروج في سوبرماركت ألدي في صباح يوم السبت، وفجأة تجدها هناك، تقف بجانبك".
في إحدى المقابلات التي أجريت العام الماضي، قالت كرامب-كارنباور "إنها تتعلم أحيانا عند كاونتر اللحوم أكثر مما تتعلمه في الحي الحكومي في برلين".
لسنوات، كان دليل الهاتف المحلي يُدرِج رقمها الخاص، ولم تطلب إزالته إلا بعد أن أصبحت زعيمة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، عندما تجاوز عدد المكالمات "حدود الذوق الجيد"، على حد تعبيرها.
أصبحت إمكانية الاقتراب منها علامتها التجارية. لا تزال عائلتها في المنطقة ولا يزال شقيقها يعمل أمين خزانة في بلدية بيتلنجن.
كما اكتسبت عقيدة انتقائية جذبت الناخبين عبر الطيف السياسي. يقول ياكوبي "إنها محافظة بشدة، لكن هذا يقترن بإحساس قوي بالعدالة الاجتماعية. لديها تعاطف حقيقي مع الذين أُهمِلوا جراء التقدم الاقتصادي".
بالنسبة إلى البعض، هذا يجعل من الصعب تحديد موقعها السياسي. هي واقفة بحزم على يسار الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ودافعت لفترة طويلة عن فكرة الحد الأدنى للأجور، الذي أصبح أخيرا قانونا في ألمانيا في عام 2015.
كما دعت أيضا إلى إدخال معدل أعلى لضريبة الدخل، وهو أمر لا يطيقه الليبراليون الاقتصاديون في حزبها.
أحد الملصقات الانتخابية الشهيرة يظهرها في طابور في إحدى الأسواق الكبيرة مع شعار "أريد أجرا عادلا للعمل الجيد"، هذه الأفكار ليست غريبة عن سارلاند.
يقول كلاوس كيسلر، وزير تعليم سابق من الحزب الذي خدم إلى جانبها في حكومة سارلاند "الاتحاد الديمقراطي المسيحي حزب ديمقراطي اجتماعي للغاية هنا".
مع ذلك، فهي ليست ليبرالية اجتماعية. في ظل حكمها، تبنت سارلاند سياسات وجدها البعض في برلين متشددة جدا، مثل فحص الأشعة السينية للاجئين الشباب لتحديد أعمارهم الحقيقية، وهو إجراء عارضته نقابات الأطباء، على اعتبار أنه تطفلي.
وهي أيضا مناصرة للحظر المفروض في ألمانيا على إعلانات الإجهاض، وعارضت على نحو مثير للجدل ما قد يمهد الطريق لمطالب مستقبلية للسماح بالزواج بين الأقرباء المباشرين، أو الزواج بين أكثر من شخصين.
يقول كريستوف هارتمان، وهو سياسي ليبرالي سابق وكان نائبها حين كانت رئيسة وزراء سارلاند "لا أعلم ما الذي تمثله.
المستشار السابق هيلموت كول كان يمثل إعادة توحيد ألمانيا، وجيرهارد شرودر كان يمثل إصلاح الرعاية الاجتماعية، وفيلي براندت كان يمثل التقارب مع الكتلة السوفياتية. يبدو أن أيه كيه كيه AKK – ليست لديها رؤية. هي مثل ميركل – شخص بدون سمات مميزة" حسب قول هارتمان.
هارتمان ليس الوحيد الذي يقيم مقارنات بين ميركل وكرامب كارنباور. حين انتقلت إلى برلين في السنة الماضية، رآها معظم المراقبين أنها "ميركل الصغيرة"، وأنها ستتمسك بمسار المستشارة الوسطي القائم على التحديث.
أوجه التوازي كانت واضحة: كلتاهما يسارية من الديمقراطيين المسيحيين؛ وكلتاهما تنتهج أسلوبا رصينا وهادئا وتحليليا في السياسة.
وكلتاهما متواضعة، وتتمتع برباطة الجأش، ومع ذلك تتمتعان بالسيطرة بشكل واضح: وصفت كرامب كارنباور أسلوبها بأنه "قبضة حديدية في قفاز مخملي".
صفة "الصغيرة" بدأت تثير أعصابها. قالت في مقابلة في العام الماضي "هي تزعجني فعلا – عمري 56 سنة، وربيت ثلاثة أطفال مع زوجي، وخدمت لمدة 18 سنة في الحكومة – ليس هناك شيء يدل على الصغر في شخصي".
يقول زملاؤها السابقون "إن من الخطأ اعتبارها مستنسخة عن ميركل. صحيح أن المرأتين يمكن أن تنسجما معا، لكنهما مختلفتان اختلافا جذريا، سواء في الخلفية أو في الطبع".
يقول ستيفان توسكاني، الذي كان وزير المالية في حكومة سارلاند من 2012 إلى 2018 "أيه كيه كيه كاثوليكية وهي نتاج كلاسيكي لنظام الأحزاب السياسية في ألمانيا الغربية".
ميركل ابنة قس بروتستانتي، نشأت في ظل الشيوعية في ألمانيا الشرقية. ويقول "أيه كيه كيه تظهر في فساتين مزخرفة في المهرجان، لا يمكن أن تتخيل ميركل وهي تفعل ذلك".
ميركل بالكاد أخفت بهجتها حين تفوقت كرامب كارنباور على ميرز، في انتخابات السنة الماضية، وهو الذي لم يُخفِ قط نفوره من المستشارة. صورة المرأتين وهما تتعانقان على المسرح، بُثت في جميع أنحاء العالم.
علاقتهما لم تكن سلسلة دائما. قرار كرامب كارنباور في عام 2012 بالدعوة إلى انتخابات مبكرة في سارلاند، كشف عن جانبها الذي لا يرحم. يقول بيتر ياكوبي "كانت استراتيجية خطِرة للغاية، وجريئة للغاية".
ميركل، التي كانت تعترك مع ائتلاف مليء بالمشكلات إلى حد التطرف بين الحزبين الديمقراطي المسيحي والديمقراطي الحر في برلين، لم تكن تريد أي أحداث مثيرة للإزعاج. لقد كانت ساخطة.
قالت كرامب كارنباور في السنة الماضية "لم تجد الأمر مسليا وكانت صريحة للغاية بشأن ذلك، أعتقد أنها لم تستطع أن تفهم الأمر في ذلك الحين، لكن لم يكن أحد يستطيع أن يفهم ذلك خارج سارلاند". هذه المقامرة مهدت الطريق أمام النجاح المستقبلي لكرامب كارنباور. قبل الانتخابات كانت تترأس تحالفا مربكا مع الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر. بعد الانتخابات، استطاعت تشكيل تحالف جديد وأوسع وأكثر استقرارا مع الديمقراطيين الاجتماعيين.
كان هذا منطقيا من الناحية السياسية. كانت برلين تفرض قواعد جديدة صارمة في المالية العامة على جميع مناطق ألمانيا الـ16 في أعقاب الأزمة المالية، وكان على سارلاند أن تبتلع تخفيضات ضخمة في الإنفاق.
ولم يكن ممكنا قط أن تنجح في فرضها دون مزيد من قبول اليسار.
تم تخفيض الوظائف في القطاع العام، وتم تخفيض الاستثمار يشكل جذري. من اللافت للنظر أنه لم تكن هناك احتجاجات كثيرة.
يقول توسكاني "إنجاز أيه كيه كيه كان تنفيذ هذه العملية حتى النهاية من خلال استشارات وثيقة مع الاتحادات وشرح ضرورة ذلك للناس. هذا هو أسلوبها السياسي". بعد ذلك لعبت دورا رئيسا في التفاوض حول اتفاقية لاقتسام الدخل جعلت سارلاند تحصل على مبلغ إضافي بقيمة 500 مليون يورو سنويا من الموازنة الفيدرالية، اعتبارا من عام 2020.
تظل سارلاند هي الولد المتعِب لألمانيا. كانت المنطقة الوحيدة التي تقلص اقتصادها في العام الماضي، بنسبة 0.8 في المائة.
البطالة فيها أعلى من المعدل الوطني. ولا تزال تحتل المرتبة 14 من بين أكثر المناطق المدينة، حيث تبلغ حصة الفرد من الدين 14 ألف يورو "أي أكثر بثمانية آلاف يورو من عام 2000، حين دخلت كرامب كارنباور الحكومة".
مع ذلك خلال فترة عملها في الحكومة، أصبحت سارلاند أحد معاقل الديمقراطيين المسيحيين. النجاح الساحق للديمقراطيين المسيحيين في سارلاند في انتخابات عام 2017، احتل العناوين الرئيسة في صحف برلين.
بعد بضعة أشهر في شباط (فبراير) 2018، تركت كرامب-كارنباور عائلتها وسارلاند لتولي منصب الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في برلين.
يقول دانييل كيرش، صحافي في صحيفة ساربروكر تسايتونج، "إن كثيرين في المنطقة شعروا بخيبة أمل.
لقد صوتوا لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي لأنهم أرادوا أن تكون كرامب-كارنباور رئيسة وزرائهم لخمسة أعوام أخرى، لكنها بعد أقل من عام غادرت". يعترف أن آخرين كانوا فخورين "أن إحدى سياسيات سارلاند حققت هذا النجاح العالي".
عند وصولها إلى العاصمة، حذرها الزملاء والأصدقاء من المخاطر التي في انتظارها. يقول مارتن سبايشر "أخبرتها أن برلين مثل حوض سمك القرش مقارنة بساربروكن". عدد أسماك القرش المحتمل زاد بعد فوزها بقيادة الحزب في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. مؤيدو المرشح المهزوم فريدريش ميرز على يمين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي شعروا بخيبة أمل شديدة، حيث يخشون عودة الوضع إلى ما كان هو المعتاد تحت قيادة إحدى تلاميذ ميركل. كان ميرز قد وعد باستمالة الناخبين الديمقراطيين المسيحيين الذين بسبب إحباطهم من سياسات ميركل الليبرالية، انشقوا منضمين إلى حزب البديل لألمانيا. أمل مؤيدو ميرز أنه قد يعيد تشكيل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي على أسس محافِظة للغاية.
كرامب-كارنباور قدمت على الفور غصن الزيتون إلى مخيم ميرز. وحصلت على الثناء من الجناح المؤيد للأعمال من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، من خلال الدعوة إلى تخفيض الضرائب والاحتجاج ضد حظر قيادة السيارات القديمة التي تعمل بالديزل في المدن الألمانية.
واختلفت مع ميركل فيما يتعلق بمسألة الهجرة، حيث قالت "إنها ستنظر في إغلاق الحدود "كملاذ أخير" إذا واجهت أزمة لاجئين جديدة". وقالت "إن طالبي اللجوء الذين لجأوا إلى الجريمة يجب ترحيلهم، وعدم السماح لهم أبدا بدخول أي أرض أوروبية".
خشي البعض من أنه في حماستها لاسترضاء مخيم ميرز، فإنها قد تمحورت كثيرا نحو اليمين.
عند سؤالها عن هذا، كان ردها عمليا. لقد أشارت إلى أن نحو نصف المندوبين في هامبورج صوتوا لميرز في كانون الثاني (يناير) الماضي.
وكشفت حملة الانتخابات عن شقاق عميق في الحزب بين اليسار واليمين، وأولويتها كانت استعادة الوحدة والسلام.
على أي حال، لا ترى أن مهمتها هي الحفاظ على إرث ميركل، بل الدخول في بداية جديدة.
هذه الاستراتيجية أدت إلى الإحباط لدى جميع الأطراف. يقول أحد المسؤولين الألمان، "الذين دعموها معتقدين أنها نسخة عن ميركل غير راضين، كما أن المحافظين غير مقتنعين أيضا، لأنهم لا يعتقدون أنها فعلا واحدة منهم". ثم وقعت سلسلة من الأخطاء التي تدل على الإهمال. وقع الأول في شباط (فبراير) الماضي، أثناء مهرجان احتفالي في جنوب ألمانيا: خلال عرض منفرد ألقت كرامب كارينباور نكتة تدل على قلة الذوق حول حمامات عامة مختلطة للجنسين، قائلة إنها في الواقع مخصصة لرجال "لا يعلمون حتى الآن إذا ما كان ينبغي لهم أن يتبولوا واقفين أم جالسين"، في تلميح إلى غير الأسوياء. اللجنة الحزبية طالبتها بتقديم اعتذار. خلال الضجة القوية التي نتجت عن ذلك، تمسكت بموقفها، حيث أصرت على أن النكتة جزء من تقليد ألماني قديم خلال المهرجانات الاحتفالية، وعلى الناس أن يشعروا بالمرح.
وقالت "لدي إحساس بأننا أكثر أمة متزمتة على وجه الأرض".
هذه الواقعة دلت على مشكلة أعمق بالنسبة إلى كرامب كارينباور، هي أنه كلما تعرف عليها الناخبون الألمان أكثر، قل إعجابهم بها على ما يبدو.
يقول عضو في برلمان سارلاند من حزب منافس ويعرفها منذ سنوات "في سارلاند هي محبوبة لأنها تمثل امرأة كاثوليكية من الطبقة الوسطى الدنيا، تؤدي عرضا في المهرجان. الآن هي تحاول أن تنقل نموذج سارلاند إلى عالم السياسة في برلين. على أن هذا لا ينجح هناك".
استمرت هذه الهفوات. استجابة كرامب كارينباور لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبيل الانتخابات الأوروبية، من أجل إحداث نهضة في الاتحاد الأوروبي، قوبلت بالذهول.
في مقال تحريري نشر في "دي فيلت" قالت "إنه ينبغي لفرنسا التخلي عن مقعدها في مجلس الأمن ليذهب إلى الاتحاد الأوروبي، والتخلي عن ستراسبورج باعتبارها المقر الثاني للبرلمان الأوروبي"، وهما فكرتان كان المقصود منهما إثارة غضب باريس.
دورها بصفتها زعيمة الحزب كان جزءا من المشكلة، فميركل على ما يبدو عازمة على أن تكمل فترة ولايتها كمستشارة حتى النهاية، وهذا ما يجعل كرامب كارينباور قابعة في الظل بشكل محرج، بدون أي سلطة حقيقية لتشكيل أو تنفيذ السياسة.
لقد قارنها مسؤول في محفل خاص بمدرب كرة قدم يقف على جانب الملعب ويصدح بتعليماته إلى اللاعبين. "هل يستمعون إليه"؟
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES