FINANCIAL TIMES

كرامب - كارنباور .. مرشحة لقيادة ألمانيا في عالم متغير

في مساء يوم الثلاثاء 16 تموز (يوليو) الماضي، اتصلت الدائرة الداخلية لحزب الديمقراطيين المسيحيين في ألمانيا، خلال مؤتمر عبر الهاتف استضاف رئيسة الحزب أنيجريت كرامب - كارنباور، طالبة منا المشاركة.
كان لديها خبر مثير للاستغراب. لقد أخبرتهم أنها قد أصبحت وزيرة الدفاع الجديدة للبلاد، محل أورسولا فون دير لاين، وزيرة الدفاع الحالية، التي انتخبت رئيسة للمفوضية الأوروبية الشهر الماضي.
كان هناك صمت يدل على الذهول. كرامب - كارنباور التي كانت قد انتخبت للتو في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، زعيمة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم من يمين الوسط، كانت قد أوضحت حينها بقوة عدم اهتمامها بشغل أي منصب وزاري وقد صدقها الجميع وقتها.
وأوضحت مرارا وتكرارا أن أولويتها الرئيسة هي تجديد وإصلاح حزب تحكمه منذ 18 عاما المرأة نفسها، أي أنجيلا ميركل.
الطموح السياسي كان السبب وراء التغيير في موقفها. لم تخف أنيجريت كرامب – كارنباور -أو أيه كيه كيه AKK كما تجري مناداتها في ألمانيا بالأحرف الأولى من اسمها- رغبتها في أن تصبح مستشارة ألمانيا التالية. كان من المفترض أن يكون حلولها محل ميركل كرئيسة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي نقطة انطلاق مثالية، غير أن أداءها في هذا المنصب حتى الآن يتعرض للانتقاد على نطاق واسع لدرجة أن البعض يرى أنه قد حان الوقت لإعادة النظر في الرهان عليها.
كان أملها الوحيد في خلافة ميركل في المنصب الأعلى هو التراجع عن كلمتها ودخول مجلس الوزراء.
وعندما تم انتخاب أورسولا فون دير لاين، وزيرة الدفاع الحالية، رئيسة للمفوضية الأوروبية في الشهر الماضي اتخذت الإجراء. كما قال أحد أعضاء السلطة التنفيذية للحزب الديمقراطي المسيحي: "إنها في الأساس فرصتها الأخيرة".
مصير كرامب - كارنباور مهم لأن سباق استبدال ميركل، مستشارة ألمانيا منذ عام 2005، ليس شأنا داخليا خالصا.
في مشهد سياسي قوامه كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب واحتمال حدوث "بريكست" دون اتفاق في ظل زعامة بوريس جونسون وانطلاق الشعبوية الأوروبية، لطالما نظر إلى ميركل كمنارة للاستقرار ورمز لنظام ليبرالي متعدد الأطراف قائم على القواعد، يتعرض للهجوم من جميع الجبهات.
عندما تغادر ميركل المسرح السياسي، فإن كل من يحل محلها سينظر إليه كزعيم فعلي للغرب الليبرالي.
لا تزال كرامب - كارنباور من أبرز المرشحين للمنصب، لكن أحدث خطوة في مسيرتها كانت مقامرة كبيرة.
لقد دمرت وزارة الدفاع الحياة المهنية السياسية لكثيرين في ألمانيا، وقد أطلق عليها اسم "مقعد القذف".
هناك وزير دفاع سابق واحد فقط هو هلموت شميدت استطاع الوصول إلى منصب المستشار، من "مقعد القذف".
يقول أحد نواب حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي رفض الكشف عن اسمه: "إنه خطر كبير بالنسبة إلى AKK". ويضيف: "يبدو أن وزراء الدفاع هنا يتورطون دائما في فضائح ليست حتى من صنعهم: هل ستكون استثناء؟».
ومع ذلك، تعتز كرامب - كارنباور بكونها على استعداد للمغامرة. خلال تلك المناقشة، وشبهت هذه المرأة البالغة من العمر 56 عاما نفسها ببهلوان يسير على الحبل دون شبكة أمان. نظرة سريعة إلى سيرتها الذاتية تكشف عن قدرة نادرة على المخاطرة. ربما كانت هي السمة المميزة في حياتها المهنية.
في عام 2012، عندما كانت رئيسة وزراء ولاية سارلاند الغربية الصغيرة، صدمت الناخبين بالخروج من الائتلاف الحاكم ودعوتها إلى إجراء انتخابات مبكرة.
نجح الرهان وفازت. بعد الانتخابات العامة في عام 2017، خاطرت مرة أخرى حيث تخلت عن سارلاند للذهاب إلى برلين، لبدء مهنة جديدة كأمينة عامة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
لقد كان ذلك خفضا كبيرا في المنصب، لكنه أظهر أن عينها كانت على جائزة أكبر: بعد كل شيء كانت ميركل ذات يوم تشغل المنصب المتواضع نفسه.
وفي كانون الأول (ديسمبر) 2018 جاءت أكبر مقامرة على الإطلاق: حملتها الرامية إلى خلافة ميركل كزعيمة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
كان من شأن الهزيمة أن تتركها بلا وظيفة، ليصبح مصيرها مثل أي شخص مغمور سياسيا.
وبدلا من ذلك، حققت أعلى الأصوات وفازت بفارق ضئيل على فريدريش ميزر، وهو محام من أصحاب الملايين ومحبوب من الجناح المحافظ في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
انتقالها إلى وزارة الدفاع هو الأحدث في سلسلة من نقلات مناورة محسوبة، نقلة سياسية محلية من أطراف ألمانيا إلى قلب السلطة في برلين.
ومع ذلك، ما لم يتحسن موقفها مع الجمهور الألماني بشكل جذري، يمكن أن يتبين أن وظيفة المستشارة هي أبعد من متناولها إلى الأبد.
يقول أحد نواب حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي: "هناك انطباع يتكون بين الناخبين بأنها غير مناسبة لتولي منصب المستشارة، وهذه مشكلة كبيرة بالنسبة إلينا. لأنه لا يوجد بديل واضح لها".
اسأل الذين في برلين عن الوقت الذي بدأت تظهر فيه الشكوك حول كرامب - كارنباور لأول مرة، وسيشير عدد منهم إلى المؤتمر الصحافي الذي عقدته بعد انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار (مايو) الماضي.
لقد كان أول اختبار كبير لها منذ تولي رئاسة الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وكان الإجماع على أنها قد خذلت الحزب والرأي العام: فاز الحزب بنسبة 22.6 في المائة فقط من الأصوات، وهو أسوأ أداء له في انتخابات وطنية. كانت لحظة مهينة لحزب كان يحكم ألمانيا لمدة 50 عاما من 70 عاما، وقدم بعضا من أشهر مستشاري ما بعد الحرب العالمية الثانية في البلاد: كونراد أديناور وهيلموت كول وميركل نفسها. النتيجة كانت صورة دقيقة تماما عن الوضع الحالي لمنظمة سياسية غير آمنة للغاية، تشارك في نقاش مؤلم حول اتجاهها المستقبلي. وهي منظمة محاصرة بين خصمين، حزب البديل من أجل ألمانيا الوطني الشعبوي على اليمين، والخضر على اليسار، في ما يعاني شريكها الأصغر في الحكومة الديمقراطيون الاجتماعيون أزمة وجودية، لاتقل عن حزب ليبرالي صغير آخر هو: الديمقراطي الحر.
كرامب - كارنباور التي أشيد بها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بأنها مسؤولة جديدة تريد إحداث تغييرات كبيرة فشلت في تحقيق تغييرات مهمة.
في كلمتها أمام الصحافة بعد الانتخابات الأوروبية، أقرت بأن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي "خسر على نطاق واسع بين الناخبين الشباب".
ما أظهرته بيانات الانتخابات كان أن 11 في المائة فقط من الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة صوتوا لمصلحة الحزب الديمقراطي المسيحي، وهو أمر ينذر بالخطر لمستقبل الحزب في مشهد سياسي متغير.
في الفترة التي سبقت الانتخابات، أثارت زعيمة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي نفسها استياء هذه الفئة الديموغرافية، من خلال انتقاد مظاهرات "الجمعة من أجل المستقبل"، إذ قالت إن الشباب لا ينبغي أن يتركوا المدارس للاحتجاج على ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن يمكن أن يفعلوا ذلك في وقتهم الخاص.
كما أيد الحزب إصلاحا شاملا للاتحاد الأوروبي لقانون حقوق التأليف والنشر، يرى المواطنون الرقميون أنه سيمنعهم من تحميل المواد بحرية على الإنترنت.
بلغ الغضب المتصاعد حد الغليان في شريط فيديو لافت للنظر بواسطة مدون على "يوتيوب" ذي شعر أزرق ويرتدي قلنسوة ويدعى ريزو، اتهم الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم "بتدمير حياتنا ومستقبلنا".
هذه الخطبة العنيفة التي شوهدت نحو 16 مليون مرة، هيمنت على الأيام الأخيرة من الحملات الانتخابية قبل الانتخابات الأوروبية، كما فعل نداء من 70 نافذا على الإنترنت من الألمان، ناشدوا أتباعهم بعدم التصويت للديمقراطيين المسيحيين.
تحليل الفشل الانتخابي الذي منيت به كرامب - كارنباور كان انتقادا غير عادي للذات. قالت إن الشباب لديهم الانطباع الخاطئ بأن الحزب "ينتقل إلى اليمين".
يحتاج حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى "استخلاص استنتاجات صحيحة والتغيير".
بيد أنها فاجأت الجميع من خلال شن هجوم على المؤثرين الرقميين، قالت فيه إنه يجب أن تكون هناك قواعد لمثل هذه الحملات السياسية الصارخة على موقع يوتيوب.
تخيل صيحات الغضب التي كانت ستتصاعد لو أن 70 صحيفة كانت قد طالبت بمقاطعة حزب سياسي.
سرعان ما وجدت كرامب - كارنباور نفسها فيما يسميه الألمان بتعبير قديم "عين العاصفة" في الوقت الذي اتهمها معلقون وناشطون، بل حتى سياسيون من حزبها بمحاولة كبح حرية التعبير.
موجة الغضب أضرت تقييماتها. وفقا لمسح أجرته قناة زد دي إف ZDF التلفزيونية في حزيران (يونيو) الماضي، فإن 71 في المائة من الألمان يعتقدون أنها غير ملائمة لمنصب المستشارة.
توصل الاستطلاع نفسه إلى أنها ستخسر في مسابقة افتراضية لمنصب المستشارة ضد روبرت هابيك، القائد الكاريزمي لحزب الخضر، الذي وصفه البعض بأنه جون كيندي الألماني.
إذا بقيت غير محبوبة، فقد يشعر الآخرون بالإغراء لتشكيل فريق لتحديها لأعلى منصب في ألمانيا -من كبار الشخصيات في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي مثل أرمين لاشيت، رئيس وزراء ولاية وستفاليا الواقعة في شمال الراين- القوية اقتصاديا، أو ميرز، المرشح المهزوم في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) الماضي.
يقول أحد المساعدين: "في كل مرة ترتكب فيها خطأ، فإن ملائكة الانتقام من معسكر ميرز يهاجمونها. إنهم لا يظهرون أي رحمة".
عند سؤالها عن منافسيها، تبدو كرامب - كارنباور مرتاحة. وجهة نظرها هي أن من السذاجة الاعتقاد بأن الآخرين غير مهتمين بالوظيفة الأكثر أهمية في ألمانيا.
على أنه كزعيمة للحزب، ستوجه هذه العملية. أخبرت ميركل نفسها المراسلين الشهر الماضي أن كرامب - كارنباور، بصفتها رئيسة الحزب، هي في: "موقف مهم وفي الدرجة الأولى" عندما يتعلق الأمر بتحديد الخلافة: "هذا ليس موضع تساؤل".
ومع ذلك فهي ليست واثقة من فوزها السهل. مثل حزب المحافظين في بريطانيا، يمكن أن يكون الحزب الديمقراطي المسيحي وحشيا تجاه المرشحين الذين ينظر إليهم على أنهم يفتقرون إلى القدرة على الفوز في الانتخابات.
إذا لم تتحسن استطلاعات الرأي بالنسبة إليها، فقد ينتهي الأمر بالسلطة التنفيذية الحاكمة في الحزب إلى اقتراح مرشح آخر تماما لمنصب المستشار.
بالنسبة إلى ثورستين فاس، العالم السياسي في جامعة برلين الحرة، هناك إشارات متزايدة إلى أن كرامب - كارنباور تفتقر إلى المهارة والمعرفة والقدرة على شغل المنصب.
"ترى هذا كثيرا عندما ينتقل الناس من السياسة الإقليمية إلى المسرح الوطني في برلين. إنهم مكشوفون جدا لدرجة أنهم يكافحون حقا" من أجل ملء حجم المنصب الفيدرالي.
كان هذا طريقا طويلا نحو البروز الوطني لأنجريت كرامب - كارنباور، المرأة التي أشارت إلى نفسها ذات يوم بأنها: "إعصار من الكلمات التي يصعب نطقها، تمشي على قدمين". لقد بدأت مسيرتها السياسية في بوتلينجن، المدينة الواقعة في سارلاند حيث نشأت. لا يزال لديها منزل هناك -منزل بسيط به ألواح شمسية وطبق استقبال للأقمار الصناعية على السطح، يقع في شارع به حدائق جميلة وأنيقة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES