FINANCIAL TIMES

«بريكست» يزيل الخط الفاصل بين اليمين واليسار

وضع مؤيدو "بريكست" في بريطانيا قاعدة بسيطة لخوض الاستفتاء في عام 2016. ازدراء الحقائق وتجاهل الحقيقة وبدلا من ذلك مناشدة العواطف الغريزية. عوامل انعدام الأمن الثقافي والتظلمات تفوقت بالتأكيد على الاقتصاد. بعد دعوتهم إلى توجيه ضربة ضد النخبة في العاصمة، ورمي الحجارة على الخمختصين وإغلاق الباب على الهجرة، أغلبية صغيرة من الذين صوتوا دعموا "بريكست".
بوريس جونسون، الذي قاد حملة المغادرة، كان يحدد المسار نفسه إلى حد كبير استعدادا للانتخابات العامة. كل جزء من الأدلة المتينة والتحليل المستقل يقول إن "بريكست" الفوضوي سيكون له تأثير كارثي في الاقتصاد ومستويات المعيشة. نسبة كبيرة من الشركات أفادت بوجود خطر على الاستثمار والوظائف. الجنيه ينخفض بسرعة. مايكل جوف سخر علنا من المختصين خلال حملة الاستفتاء. الآن هو يتولى مسؤولية الاستعدادات لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 تشرين الأول (أكتوبر).
"إما أن ننجح وإما نموت" هو تعبير رئيس الوزراء. بدلا من تطويق حزب "بريكست" برئاسة نايجل فاراج، حزب المحافظين أصبح حزب "بريكست". جونسون طهر الحكومة من غير المؤمنين بـ"بريكست". تم إلزام المجموعة الصغيرة من المحافظين المعتدلين الذين سُمح لهم بالبقاء في مناصبهم على توقيع يمين الولاء لـ"بريكست" بدون صفقة. كبار المسؤولين الذين يقدمون للوزراء حقائق غير مريحة يخاطرون بأن يتم اتهامهم بمحاولة التخريب.
أزال "بريكست" الخط الفاصل المألوف في السياسة بين اليمين واليسار. تخلى جونسون عن السياسة المحافِظة في المالية العامة لمصلحة هبة الدولة لطبقات العاملين التي تدعم "بريكست". التناقضات مثل التي بين التخفيضات الضريبية الكبيرة والإنفاق العام غير المحدود لا تزعج سياسة الهوية.
هذا لا يعني أن جونسون لديه موعد محدد في ذهنه ليوم الاقتراع. افتراض أن السياسيين وصلوا إلى مناصبهم ولديهم تصميم كبير هو خطأ شائع. في حالة جونسون، ربما ينبغي أن يكون الافتراض عكس ذلك. لم يشر أبدا إلى مبدأ، أو أعجب باستراتيجية. العاصفة الحالية من التفاؤل المشمس، والتعهدات بالإنفاق، والإنذار الحاد للدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد تهدف إلى إيجاد ديناميكية جديدة في المفاوضات مع بروكسل.
إذا كان الأمر كذلك، فقد جاء بنتائج عكسية سيئة. لا يشعر القادة الأوروبيون بالانبهار. من الواضح أن الاتحاد الأوروبي كان مستعدا لتقديم بعض التنازلات بشأن مسألة الحدود الإيرلندية الشائكة. حتى الأسبوع الماضي كانت هناك ثرثرة في بروكسل حول ممارسة ضغط على ليو فارادكار، رئيس الوزراء الإيرلندي، لقبول صفقة تحفظ ماء الوجه. موقف جونسون المتطرف وضع حدا لذلك.
يطلب رئيس الوزراء من أنجيلا ميركل في ألمانيا وإيمانويل ماكرون في فرنسا المخاطرة باتفاق الجمعة العظيمة للسلام من خلال تمزيق الضمان في مسودة صفقة "بريكست" للحفاظ على حدود إيرلندية مفتوحة. لا يمكن أن يُفاجأ بأنهم لا يشاركونه تهوره.
قد يعتقد جونسون أنه لا يزال بإمكانه تأجيل الانتخابات عن طريق إقناع مجلس العموم بدعم خروج صعب. بعد تخليص الحكومة من أفراد الطابور الخامس، قد يحسب أن بإمكانه مواجهة مؤيدي البقاء في المقاعد الخلفية من حزب المحافظين. هل يمكن أن يخاطر حتى مؤيدو الاتحاد الأوروبي المتحمسون من حزب المحافظين فعلا بوضع جيرمي كوربين زعيم حزب العمال في مقر الرئاسة؟ من خلال الوعد بضخ الأموال العامة إلى مقاعد حزب العمال التي تدعم "بريكست"، يسعى جونسون أيضا إلى الحصول على أصوات مجموعة كبيرة من أعضاء البرلمان في المعارضة.
ربما. لكن مهما كانت آماله، تشير معظم الطرق إلى انتخابات عامة، اقتراع لا يستطيع الفوز به بدون نزع سلاح فاراج، وهذا هو السبب في التحوّل الحاسم إلى اليمين. من خلال التخلي عن هويته التقليدية كائتلاف واسع عبر يمين الوسط، حزب المحافظين يصبح حزب "بريكست"، أو على نحو أدق، الحزب القومي الإنجليزي.
الأيام القليلة الماضية شهدت جونسون يلف نفسه بعلم المملكة المتحدة. في الحقيقة، هو لا يهتم بالبلدان الأصغر في المملكة المتحدة. لم يحظ قط بشعبية في اسكتلندا ولم يكن ليفاجأ من سوء المعاملة التي حظيت بها زيارته إلى أدنبرة. روث ديفيدسون، زعيمة حزب المحافظين الاسكتلندي، أخبرت جونسون أن "بريكست" بدون صفقة سيلحق أضرارا بالغة بالحزب في الانتخابات العامة.
نيكولا ستيرجين رئيسة وزراء اسكتلندا وزعيمة الحزب القومي الاسكتلندي،، لم تكن لتتمنى عدوا أفضل في حملة الاستقلال الخاصة بها. يبدو أن جونسون لم يتأثر بالمثل من التهديد الذي يمثله "بريكست" بدون صفقة للمحافظين في ويلز، أو التعزيز الذي يمكن أن يُقدمه للقضية من أجل إعادة توحيد إيرلندا. كل الدلائل تشير إلى أن رئيس الوزراء مستعد للمقامرة باتحاد المملكة المتحدة. "بريكست" أصبح الأمر الوحيد المهم.
إذا ما كانت الأرقام ستكفي لتحقيق ما يريد من خلال تصويت مجلس العموم فهذه مسألة أخرى. لا أحد يعرف عدد المؤيدين الساخطين من حزب العمال الذين يستطيع جونسون احتضانهم في النهاية في حملته الوطنية الكبيرة؛ أو، طالما نحن في هذا الصدد، عدد مقاعد حزب المحافظين التي ستتم خسارتها لمصلحة الحزب الديمقراطي الليبرالي في جنوب إنجلترا في الوقت الذي ينشق فيه الناخبون المعتدلون عن الحزب.
المفارقة هي أن الورقة الأكثر قيمة بالنسبة إلى رئيس الوزراء هي كوربين، وهو زعيم معارضة مهووس بالأيديولوجية المشوهة لليسار المتطرف وتحيزاته المناهضة لأوروبا بحيث إنه يصد مجموعات كبيرة من الناخبين الذين خلافا لذلك يعدون أنفسهم جزءا من يسار الوسط التقدمي.
منذ وقت ليس ببعيد، الشكوى التي غالبا ما كانت تُسمع في بريطانيا هي أن "بريكست" أحدث الشلل في البرلمان. إلا أن الضرر يمتد إلى أعمق من ذلك. الجدل حول أوروبا أدى إلى تمزيق نسيج السياسة البريطانية ويمكن حتى أن يدمر المملكة المتحدة نفسها.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES