ماذا يحدث للقطاع الخاص؟

|


إنه الموضوع الأهم اقتصاديا وتنمويا في الوقت الراهن، والموضوع الأولى قبل غيره بالدراسة والبحث والتحليل، والموضوع الأكبر من تناوله والحديث عنه في مجرد مقالات وبعض التقارير أو البرامج هنا أو هناك عبر مختلف وسائل الإعلام، وهو أيضا الموضوع الذي كما يقف فيه القطاع الخاص موقف "المجني عليه"، فإنه أيضا يقف في جوانب أخرى منه موقف "الجاني"، وبين هذين الموقفين المتضادين يكمن كثير وكثير جدا من التفاصيل الدقيقة، التي متى ما فُندت بطرق واضحة ودقيقة وموثوقة البيانات، أمكن الوصول إلى الوصفات "السياسات والبرامج" الأنسب للاقتصاد الوطني عموما، وللقطاع الخاص على وجه الخصوص.
تتنامى خلال الفترة الراهنة أهمية دراسة أوضاع القطاع الخاص من القوة والضعف من عدة جوانب؛ لعل من أهمها هو للضرورة القصوى استباق الآثار العكسية على القطاع نتيجة التطورات والتحولات الراهنة "جزء من تلك الآثار قد حدث بالفعل"، وهي الآثار العكسية التي من شأنها أن تبعدنا جميعا عن تحقق الأهداف المنتظرة للقطاع الخاص في اقتصادنا الوطني في منظور العقد المقبل.
إن من أهم المؤشرات الرئيسة التي تدعو إلى القيام بما تقدم: (1) أن النمو الحقيقي للقطاع لا يزال أدنى بكثير من المأمول تحققه "ما لا يقل عن 7.0 في المائة سنويا، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي"، على الرغم من تصاعد نموه خلال الأعوام الأربعة الماضية من 0.1 في المائة بنهاية 2016، إلى 2.3 في المائة بنهاية الربع الأول 2019. (2) أن أرباح القطاع الخاص ظلت تتراجع طوال الأعوام الأخيرة إلى مستويات متدنية، أصبح من الضرورة بمكان أن تُبذل الجهود اللازمة وفق منظومة عمل متكاملة للنهوض بالقطاع مرة أخرى، ولعل من أهم المؤشرات في هذا السياق ما وصلت إليه الأرباح السنوية للشركات المساهمة المدرجة في السوق المالية، التي أظهرت حتى منتصف العام الجاري تراجعها إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2010، وانخفاضها حتى تاريخه بنسبة 23.9 في المائة مقارنة بأعلى مستوى أرباح سنوية وصلت إليه الشركات المساهمة بنهاية الربع الثالث 2014.
(3) الانخفاض اللافت لأعداد المنشآت العاملة في القطاع الخاص الصغيرة فأعلى طوال الأعوام الأخيرة، فعلى الرغم مما أظهرته البيانات الكلية بنمو أعدادها بنسبة 21.2 في المائة حتى منتصف العام الجاري، إلا أن تفاصيل البيانات ذاتها كشفت عن انخفاض المنشآت الصغيرة بنسبة 12.2 في المائة "انخفضت بنسبة 15.6 في المائة مقارنة بنهاية 2016"، وانخفاض المنشآت المتوسطة بنسبة 25.6 في المائة "انخفضت بنسبة 40.8 في المائة مقارنة بنهاية 2016"، وانخفاض المنشآت الكبيرة والعملاقة بنسبة 5.6 في المائة "انخفضت بنسبة 13.9 في المائة مقارنة بنهاية 2016، وانخفضت بنسبة 17.8 في المائة مقارنة بنهاية 2015"، وأن النمو الكلي في أعداد المنشآت جاء نتيجة النمو القياسي لأعداد المنشآت المتناهية الصغر "من عامل إلى أربعة عمال"، التي سجلت نموا سنويا بنسبة 57.2 في المائة حتى منتصف العام الجاري.
(4) كنتيجة لما تقدم من المؤشرات الرئيسة أعلاه؛ فقد انخفضت العمالة الوطنية في منشآت القطاع الخاص منذ مطلع 2018 حتى منتصف العام الجاري بنسبة 6.1 في المائة "صافي انخفاض 108.6 ألف فرصة عمل"، وتحول الأمر برمته من الطموح بزيادة العمالة الوطنية في القطاع، إلى السعي قدر الإمكان إلى محافظة القطاع على ما لديه من عمالة وطنية، وهو الحد الأدنى من التطلعات الذي فقدناه أيضا، وفقا لما أظهرته أحدث بيانات التأمينات الاجتماعية!
الأمر وطنيا وتنمويا واقتصاديا واستراتيجيا؛ يستحق منا بذل كل ما يمكن من الاهتمام والجهود والموارد اللازمة، ويستحق أكثر من ذلك أن يوضع في مقدمة أولويات ومهام وأهداف عموم الأجهزة الحكومية ذات العلاقة! بما يمثله القطاع الخاص في جسد اقتصادنا الوطني كجزء منتج يسهم بنسبة 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويُستهدف رفع مساهمته إلى 60 في المائة بنهاية العقد المقبل، وكجزء موظف لنحو 1.7 مليون مواطن ومواطنة، ويُستهدف أن يكون الموظف الأول والأكبر للعمالة الوطنية بنهاية العقد المقبل.
واجهت ولا تزال تواجه منشآت القطاع الخاص عديدا من التحديات الجسيمة، طوال الأعوام الخمسة الماضية، جزء من تلك التحديات تقع مسؤوليته بنسبة كبيرة على منشآت القطاع الخاص ذاتها، وجزء آخر من التحديات جاء من خارج دائرة قدرتها وسيطرتها. سبق أن تمت بلورة تلك التحديات في أربعة تحديات رئيسة، فأما التحديات التي تقع مسؤوليتها على كاهل منشآت القطاع الخاص، ويتحملها هو قبل غيره بنسبة كبيرة فتتمثل في: (1) السيطرة الكبيرة للعمالة الوافدة على أغلب وظائف القطاع الخاص على حساب العمالة الوطنية. (2) استمرار إدمان أغلب منشآت القطاع الخاص على الإنفاق الحكومي والتحفيز أو الدعم الحكومي. فيما تتمثل التحديات التي تقع خارج قدرة وسيطرة منشآت القطاع الخاص في: (1) التستر التجاري، وتسببه في القضاء على أدنى درجات المنافسة في مختلف أرجاء بيئة الأعمال المحلية، وفي إضعاف قوة المنشآت الوطنية ووصوله إلى طردها نهائيا من السوق. (2) استدامة تشوهات السوق العقارية "احتكار واكتناز ومضاربة"، التي استمرت نتيجة العوائد القياسية لتشوهاتها تلك في اجتذاب النصيب الأكبر من الأموال والمدخرات، وزاد الأمر سوءا على منشآت القطاع الخاص للتضخم السعري الهائل لقيم الأراضي والعقارات وإيجاراتها، الذي ضاعف من تكاليف التشغيل والإنتاج، في الوقت ذاته الذي يواجه فيه القطاع انعكاسات تكلفة إصلاحات أسعار استهلاك الطاقة، إضافة إلى ارتفاع فواتير الضرائب والرسوم الملقاة على كاهله، واللافت هنا أن "الجزء الخامل" هنا ممثلا في احتكار واكتناز الأراضي البيضاء لا يواجه حتى 1.0 في المائة، من التكاليف التي يواجهها "الجزء المنتج" ممثلا في القطاع الخاص!
الرحلة بحثا وتقصيا في هذا الموضوع الوطني المهم جدا؛ بدءا من تشخيص الوضع الراهن للقطاع الخاص، مرورا بوضع اليد على التحديات التي يواجهها القطاع، وما كان هو مسؤولا عن وجوده منها، أو تلك التي تقع خارج قدرته وسيطرته، ثم اكتشاف الآثار العكسية المحتملة لأي من تلك التحديات في حال تفاقمت، وما النتائج المتوقعة التي قد تترتب عليها تجاه الاقتصاد الوطني والمجتمع والقطاع الخاص على حد سواء، وصولا إلى ما يمكن اتخاذه من تدابير وإجراءات قابلة للأخذ بها وتنفيذها، وفق منظومة عمل متكاملة ومتوازنة، تستهدف المحافظة على ركائز استقرار كل من الاقتصاد والمجتمع والقطاع الخاص في المقام الأول، وتجنب المخاطر المحتملة على تلك الأطراف الرئيسة، من أي وجه للقصور أو التأخير أو التسرع أو التباين في مختلف مجالات تنفيذ السياسات والبرامج الراهنة، وتلك هي المعالم الرئيسة لسلسلة مقبلة من المقالات، بدءا من هذا المقال. والله ولي التوفيق.

إنشرها