حرب أم قيود تجارية بين الصين وأمريكا؟ تأثيرها فينا؟

|


التسمية بالحرب التجارية تناسب إذا كان الهدف الغزو التجاري لأسواق أخرى، أما أن تضع دولة قيودا على استيراد سلع بعينها من دولة أو دول أخرى، بهدف حماية الإنتاج المحلي، وزيادة قدرته التنافسية فالأحرى أنها قيود وليست حربا تجارية. وهذا يشبه وضع قيود على استيراد يد عاملة أو هجرتها من دول أخرى، والهدف حماية تنافسية وتوظيف اليد العاملة المحلية، وليس تصديرها على حساب التوظيف في دول أخرى.
طبعا تهمنا مراقبة الوضع وتأثيراته فينا، خاصة بصفة بلادنا أهم مصدر للنفط. وثانيا لأن دولتنا - أعزها الله - تبنت رؤية طموحة تستهدف تقليل اعتمادنا على النفط ودعم وتنمية الاقتصاد غير النفطي. وثالثا لأن الصين دولة أساسية في استيراد النفط، ولذا فإن لسياساتها التجارية تأثيرا في حركة تصدير النفط وأسعاره.
التاريخ يقول إن النزاعات والخلافات التجارية بين بلدين تؤدي أحيانا إلى استفادة طرف ثالث. مثلا، قيود دول صناعية ضد صادرات يابانية خاصة السيارات قبل نحو ثلث قرن أفادت كوريا الجنوبية، ومن جهة أخرى، حملت بعض المنتجين اليابانيين على التصنيع في دول أخرى، فاستفادت تلك الدول.
تبنت إدارة الرئيس الأمريكي ترمب فرض رسوم جمركية على سلع مصدرة صينية كثيرة، أذكر منها الألواح الشمسية ومنتجات ذات علاقة بها.
تستهدف الرؤية جعل البلاد وجهة تجارية عالمية، وتبعا جاءت فكرة مدن ومراكز لها طابع استثماري وتجاري واقتصادي خاص، ومن ثم فهي نقطة إغراء لشركات صينية لتعمل فيها، لمحاولة تقليل تأثير قرارات الحكومة الأمريكية في الصادرات الصينية.
وهنا أشير إلى المنتدى السعودي - الصيني للاستثمار الذي نظمته الهيئة العامة للاستثمار بالتعاون مع المركز السعودي للشراكات الاستراتيجية، الذي كانت له فعاليات في فبراير الماضي في العاصمة الصينية بكين. تم توقيع 35 اتفاقية تعاون اقتصادي ثنائي مشترك بين السعودية والصين، قيمتها أكثر من 28 مليار دولار أمريكي، كما تم تسليم تراخيص لشركات صينية متخصصة في عدد من المجالات، وشملت اتفاقيات التعاون مع الصين مجالات وأنشطة عديدة على رأسها القطاعات المستهدفة من قبل المملكة، مثل تطبيقات الطاقة المتجددة. المصدر موقع الهيئة الملكية للجبيل وينبع.
حضور الشركات الصينية ليس فقط للسوق المحلية بل ينبغي أن يتجاوزها إلى أسواق العالم. لسنا وحدنا المستفيدين، بل الجانب الصيني مستفيد بتقليل تأثيرات القيود الأمريكية في الصادرات الصينية.
بالطبع هذا التقليل ليس مضمونا؛ فقد تراجع الإدارة الأمريكية أدواتها وتطبق الحماية على منتجات صينية مصنعة خارج الصين. لكن هذا الإجراء الأمريكي له حدود؛ يصعب على أمريكا توسيع دائرة الدول المستهدفة بالحماية، وأن تطبق عليها ما تطبقه على ما ينتج داخل الصين نفسها وكما هو، والسبب أن أمريكا ترتبط مع دول كثيرة - منها بلادنا - بمصالح متنوعة أوسع وأعمق من قائمة سلع تصنعها شركات صينية. ستراعي أمريكا هذه النقطة؛ ذلك أن أي إجراء أمريكي يضر بمصالح آخرين سيقابل طبعا بإجراءات تضر بمصلحة أمريكا، وليس من مصلحة أمريكا أن تستعدي أسواق العالم عليها.
فكرة نقل مواقع الإنتاج ليست جديدة، فقد اختارت أو على الأقل فكرت جديا بعض الشركات في نقل مصانع أو وحدات صناعية لها من الصين إلى دول أخرى صغيرة حجما وسكانا واقتصادا مقارنة بالصين، من أجل تجنب الرسوم الجمركية المرتفعة. حتى لو طبقت أمريكا على المواقع الجديدة تعريفات جمركية، لكنها بالجملة ستكون أقل مما يطبق على ما يصنع مباشرة في الصين، نظرا إلى ضخامة ما يخص الصين مقارنة بدول تعد صغيرة بالنسبة إلى الصين.
النقل إلى خارج الصين ليس دون مقابل وثمن؛ ستواجه الشركات بيئة جديدة وربما ثغرات في الإنتاج، ومن ثم متوقع أن تنخفض أرباحها مقارنة ببقائها في الصين قبل إضافة التعريفات الجمركية، لكن وجد أن صافي الأرباح أكثر أو سيكون أكثر، على الأقل في بعض المواقع الجديدة، حتى بعد إضافة التعريفات.
من جهة أخرى، رفع التعريفات يرفع سعر السلعة على المشتري الأمريكي، أي أن قدرة أمريكا على رفع التعريفات الجمركية لها حدود.
بصفة عامة، من المؤكد أن التدابير الأمريكية والتدابير المضادة لها مؤكد أنها ألقت بظلالها على قطاع الأعمال وعلى الأسعار في أغلبية الدول، وعلى نمو الاقتصاد العالمي، وكانت هذه الظلال نقطة بحث وأخذ ورد على مستوى كبار ساسة العالم وراسمي السياسات الاقتصادية فيه. والموضوع نقاشه طويل عريض.
وعيد سعيد ومبارك للجميع.

إنشرها