العالم يتجه نحو اكتشاف اقتصاديات القمر

|


تطرح الصحافة العالمية في هذه الأيام قضايا الجهود الرامية نحو اكتشاف ما أطلقت عليه اسم "الاقتصاد البديل" أو "الاقتصاد الرديف"، وهو اقتصاد يتعلق بالموارد المتاحة فوق سطح القمر. ونشرت صحيفة "الفاينانشيال تايمز"، أخيرا، مقالا ضافيا تنبأت فيه بإمكانات الوصول إلى ما يسمى اقتصاديات القمر أو الاقتصاد البديل عن الاقتصاد التقليدي لدينا نحن سكان كوكب الأرض. وقالت الصحيفة، إن الحلم الذي يراود وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، هو تحويل سطح القمر إلى قاعدة صناعية كبرى، ونقطة انطلاق إلى بقية النظام الشمسي لاستكمال بناء شراكات في سوق فضاء تجارية لا محدودة.
وبدئ بتدشين مكتبة رقمية مصممة لاختبار كل التطلعات الممكنة، ومن المقرر أن تكون التشكيلات البشرية من أوائل عمليات النقل التجاري إلى القمر، المقدر لها أن تبدأ في النصف الأول من عام 2021.
ولعل الداعي إلى البحث عن اقتصاد جديد خارج الكرة الأرضية، أن اقتصاديي الكرة الأرضية أعلنوا تباعا فشلهم في البحث عن اقتصاد فوق كوكب الأرض يتميز بالكفاءة والفاعلية في مواجهة أمراض المجتمع، ويأتي في طليعتها محاربة الفقر والجهل والمرض، بغية تحقيق الأهداف الإنسانية الكبرى.
والمؤسف، أن الرأسمالية الغربية، سجلت أخيرا مجموعة إخفاقات أكدت أن الرأسمالية فشلت في بناء نظريات ومقاربات قادرة على الإسهام في بناء الإنسان المتوازن فوق كوكب الأرض.
الشاهد، أن المجتمع الدولي فوق كوكب الأرض يعاني كثيرا من الأمراض والأسقام، ويسود التفاوت الطبقي أنحاء الكرة الأرضية، وتعاني المجتمعات في كل مكان من الكرة الأرضية انتشار الفقر والمرض وغياب العدالة الاجتماعية، وأخيرا - وليس آخرا - خرب الإنسان بيئته ولوث المناخ، وجعل الكرة الأرضية مجالا غير صالح لاستمرار الحياة الطبيعية.
والواقع أن اكتشاف بعض الموارد الممكنة لبناء اقتصاديات القمر، يبعث على التفاؤل بمواصلة البحث للوصول إلى مزيد من الإمكانات لولوج هذا المجال الواعد حتى يقف العالم على إمكانات الاقتصاد الجديد في كوكب جديد ومهيب. لكن مع هذا، فإن الكلام أنه اقتصاد بديل، أو حتى رديف، أمر سابق لأوانه، فليس في الأفق ما يثبت أو ينفي بأن اقتصاديات القمر ستشكل - بنجاح - النظام الاقتصادي الدولي الجديد!
لذلك، نلمح أن الحديث عن مستقبل اقتصاديات القمر ما زال في مراحله الأولى وفي البدايات التي ما زالت في طور البحث عن النجاح والعثور على مؤشرات موضوعية تؤكد أنها مقبلة على مؤشرات موضوعية.
وإذا مضت البرامج الأولية وفقا للمأمول، فإن المشاركة التجارية في استكشاف القمر، ستفتح حدودا جديدة لصناعة الفضاء الخارجي، علما بأن وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" كانت تلجأ منذ فترة إلى الاستعانة بالقطاع الخاص للحصول على طرق منخفضة التكلفة تتشكل منها سوق الفضاء التجارية الجديدة.
وما يبعث على التفاؤل، أن المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات يرون أن وكالة "ناسا" ستكون مؤسسة من أهم المؤسسات الاقتصادية في تاريخ اقتصاديات القمر، حيث ستكون الداعم الأول لإنشاء خط الإمدادات إلى القمر.
وفي إطار دور "ناسا" الرئيس في تصميم اقتصاديات القمر، فإنها تسعى إلى إنشاء سوق لعديد من التقنيات اللازمة لدعم عمليات الهبوط البشري على سطح القمر. وفي نهاية المطاف، فإن الهدف النهائي هو تحويل القمر إلى قاعدة صناعية ونقطة انطلاق إلى بقية النظام الشمسي واسع الأرجاء.
وتسعى "ناسا" الآن إلى توسيع هذا النهج التجاري، وتتجه إلى البحث عن الماء، واستخدام الطاقة الشمسية وصواري الاتصالات للوصول إلى منابع ومصادر المياه باعتبار أن المياه حجر الزاوية لبناء قلعة صناعية كبرى. لذلك، فإن الوصول إلى منابع المياه يعد البنية التحتية الأولى الرامية إلى وجود بشري طويل الأمد، واسع التطلعات.
في الشهر الماضي، شرعت "ناسا" في تنفيذ العقد الأول من أنظمة الطاقة الشمسية، الذي يعد نقطة الانطلاق نحو بداية العمل في سوق القمر، وهي محطة فضائية تدور حول القمر وتعمل نقطة انطلاق للرحلات المتجهة إلى سطح الجرم المنير، وفي هذه المرحلة الدقيقة يحاول البيت الأبيض تقديم موعد الهبوط على القمر، وفي الوقت نفسه أصبحت الشركات الخاصة تتطلع إلى تسريع تنفيذ مشاريعها، وبالذات الشركات المعنية بتصميم وتطوير المركبات الفضائية المتخصصة في الهبوط على سطح القمر.
من ناحيتها، فإن شركات الروبوتات تسعى إلى دخول عالم ما فوق سطح القمر، كما أن الذكاء الاصطناعي بدأ يوظف - في جبهة عريضة - كل إمكاناته للوصول إلى سطح القمر والإسهام بفاعلية في بناء اقتصاديات القمر. وبالمناسبة، فإن الذكاء الاصطناعي من أكثر المتفائلين بنجاح الإنسان في بناء اقتصاديات القمر، ويسعى إلى أن تكون له إسهامات قوية نحو تسريع البرامج والمشاريع.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن هذا التحرك من وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" بدأ يثير من جديد قضية سباق الفضاء بين الدول العظمى، وهذه القضية ستضع الدول العظمى في مواجهات جديدة. لذلك، فإن المجتمع الدولي في أمس الحاجة إلى إقرار مجموعة من القوانين الدولية التي تساعد ولا تعرقل الجهود الرامية إلى إنشاء اقتصاديات القمر.

إنشرها