ذكاء صيني أم تجاهل أمريكي

|

خلفيات الحرب التجارية بين أمريكا والصين لم تكن وليدة اللحظة، تخلصت الصين من استثماراتها المباشرة في أمريكا بنسبة 83 في المائة في القطاع العقاري والمالي والخدمات حتى وصلت إلى خمسة مليارات دولار من أصل 68 مليارا عام 2016، ولا نستبعد تطور المواقف إلى قيام الصين تكتيكيا ببيع سنداتها طويلة الأجل بشكل جزئي؛ لتحقيق مزيد من الضغط على ترمب ولا سيما أنه يسعى إلى خفض سعر الفائدة وستكون ذريعة لقيام الصين بتلك الخطوة.
أعتقد أن جميع الإجراءات التي طبقتها أمريكا على الصين كانت نتيجة منع المستثمرين الأمريكيين من الوصول إلى عمق الأسواق الصينية عبر قطاعها المالي؛ صانع القرار الصيني لا يخلو من الأنانية في مشاركة المصالح مع الأجانب بعد أن حد من الاستثمارات المباشرة في القطاعات المالية التي تمثل حلم المستثمرين؛ تعد سوق الصين الداخلية الأكبر عالميا مع 1.3 مليار عميل محتمل واحتياطي ضخم من عملات أجنبية للأفراد والحكومة كما لا تزال الأسواق الصينية ثاني أكبر سوق للاستثمارات الأجنبية بعد أمريكا إضافة إلى امتلاكها قطاعا إنتاجيا متطورا في مجال الصناعات التحويلية والثقيلة، كما أن الأسواق الصينية قريبة من الأسواق الآسيوية الناشئة والأهم أنها تمتلك أقوى اقتصاد من حيث تعادل القوة الشرائية PPP، علاوة على ذلك هناك فرص جديدة في الأقاليم الغربية مثل إقليم سيتشوان  Sichuan ثالث أكبر مقاطعة من حيث عدد السكان؛ لذا وجود القطاع المالي الأمريكي في الصين سيكون في مصلحة الجميع وسيدعم النمو العالمي مرة أخرى.
التجاهل المحمود الذي تطبقه الولايات المتحدة مع سلوك الدول الناشئة المجاورة للصين التي تمرر المنتجات الصينية عبر تغيير بلد المنشأ للمنتجات الصينية ثم تصدرها إلى أمريكا لتجنب الرسوم أو فتح المجال للمستثمرين لبناء مصانع صينية في تلك الدول وتصدير تلك المنتجات كمنتجات ليست صينية كلها ممارسات يراقبها الأمريكان لكن قد يكون تجاهلهم مقصودا لأهداف قصيرة المدى كالمحافظة على أسعار النفط مرتفعة مع الصين والدول المجاورة وبقاء الطلب مستمرا على الدولار عبر النفط وتخفيف آثار الرسوم على المواطن الأمريكي ومنح الاقتصاد الأمريكي فرصة لترميم نفسه والعودة إلى سابق عهده وتحقيق مكاسب سياسية لترمب من خلال الوفاء بوعوده الانتخابية؛ ولعل ما يؤكد فرضية التجاهل الأمريكية أن الصادرات الصينية ارتفعت بشكل مفاجئ إلى 3.3 في المائة بعدما كانت التوقعات تشير إلى 1.3 في المائة على الرغم من أن جميع الصادرات الصينية البالغة 539 مليار دولار خاضعة للرسوم.
أخيرا، ما نراه بين أمريكا والصين والدول المصدرة للنفط يشكل رقعة شطرنج اقتصادية مليئة بالمواقف الاقتصادية والسياسية وسيحرص الجميع على استمرار اللعب وفق قواعد غير معلنة لحماية مصالح المال والسلع والنفط، وأي تراجع في معدل النمو والنفط سيكون مدروسا، وأكبر المتضررين من لا يدرك قواعد اللعب.

إنشرها