التستر .. جريمة أم عقود اقتصادية لتخفيض تكلفة الوكالة؟

|

عرفت وزارة التجارة في موقعها الرسمي، التستر التجاري، بأنه غير السعودي، الذي يعمل لحسابه الخاص، بتمكين من السعودي أو المستثمر الأجنبي، في نشاط محظور عليه، سواء كان ذلك عن طريق استعمال اسمه أو ترخيصه أو سجله التجاري أو بأي طريقة أخرى. بينما أتى النظام الجديد بحذف أي تعريف للتستر، والتركيز على وصف المخالفة، فنصت المادة الثالثة على حظر التستر على غير السعودي "دون تعريف التستر"، وجاءت المادة الخامسة بأنه يحظر منح غير السعودي "ما لم يكن مستثمرا نظاميا" أدوات تمكنه من التصرف على نحو مطلق في المنشأة. وهذه النصوص تصف معدوما، وما لا يمكن تعريفه بدقة لا يمكن قياسه، وما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته. والتستر غير معلوم وغير موجود فعليا، فلا يمكن إدارته بهذا الشكل.
أقول التستر غير موجود عمليا وعلميا، فالاقتصاد علم تجريبي استقرائي، فلا تقوم قوانينه العامة التي تحكم بنية الاقتصاد إلا بناء على بنية مفاهيم رصينة، يجب أن تكون تفسيرية للقرارات الاقتصادية التي نفذها الناس في الاقتصاد "بمعنى أن الاقتصاد يسأل لماذا حصل هذا"، وهذا التفسير يتطلب فهم جميع العوامل والعلاقات التي أدت إلى هذه القرارات، ثم يمكن التنبؤ حول تأثير أي تغيير طفيف جدا في هذه العوامل في النتائج النهائية لمجموع القرارات. فمثلا، لماذا يختار الناس شراء سلعة معينة عند سعر معين؟ نعرف اليوم مفهوم العرض والطلب، وأنهما اللذان يحددان الوضع النهائي للسعر، وهكذا هي الحال في جميع فروع علم الاقتصاد، بمعنى أن أي مفهوم اقتصادي لا بد أن يقابله "موضوع" واقع ملموس، وأن يقاس بطرق علمية موثوقة، وهنا أسأل عن مفهوم التستر، ما هو علميا؟
قلت إن التستر غير موجود، بمعنى أن يقرر سعودي في كامل أهليته المعتبرة منح أجنبي اسمه وسجلاته ليعمل بها ما يشاء. هكذا - ببساطة - يريد البعض إثبات وجود التستر، لكن الذي يحدث غير هذا تماما، حيث يبدأ الموضوع من خلال عقود بين طرفين، الأول سعودي "غالبا"، والثاني أجنبي يحمل تأشيرة "عمل" "وليس مستثمرا". هذه العقود تنقسم بين ظاهرة ومخفية. والصيغة الظاهرة هي عقد استخدام طاقة العمل، حيث يوظف السعودي في مؤسسته الخاصة عاملا أجنبيا بأجر معلوم للقيام بعمل موصوف، وهذا عقد نظامي ترعاه الدولة وتحميه، لكن هذا العقد له تكلفة عالية جدا على كثير من السعوديين، خاصة في المؤسسات الصغيرة وبعض المتوسطة، وهي تكلفة معروفة في علم الاقتصاد وعلم المنظمات بتكلفة الوكالة Agency Cost. وهي مشكلة عميقة جدا حيرت كبار العقول الاقتصادية في العالم ولا تزال، وقد استطعنا من خلالها أن نفسر الطلب على كثير من القضايا، خاصة في الرقابة والمراجعة الخارجية والتقارير المالية، بل السوق المالية كلها، فهي مشكلة معترف بها علميا ولها قياسات مشهورة.
تنص مشكلة الوكالة على أن مالك أي منشأة يواجه مشكلة مع من يعمل فيها، خاصة في الإدارة، وهذه المشكلات تتفاقم كلما ابتعد المالك عن الإدارة، بسبب ظروف كثيرة جدا لا يمكن حصرها أو منعها أو إجبار الناس على تلافيها، فلا بد أن تنفصل الملكية عن الإدارة "إما جزئيا أو كليا"، وغالبا ما يحدث أن تنفصل الملكية عن الإدارة "جزئيا" في المؤسسات الفردية، حيث قد يغادر المالك محالّه لأي سبب "سفر، مرض، راحة" ويقوم العامل الأجنبي عندها بممارسة الأعمال وحيدا "وفقا للعقد الظاهر وكالة دون رقابة". هنا تظهر مشكلة الوكالة بوضوح، حيث يبدأ العامل بالتصرف في الأموال، وقد يختلس الدخل أو يقوم بتنفيذ أعمال غير مشروعة أو ائتمانية خطرة، وتعرض السعوديون في المملكة لآلاف القضايا من تصرفات العمالة في المحل التجاري عند غياب المالك، ولتجنب ذلك يبقى أمام السعودي خيار تحمل تكلفة الوكالة "أي وضع إجراءات رقابية صارمة ودقيقة لمنع العامل من التصرف في الأموال والمحل دون وجه حق"، لكن هذه التكلفة مرتفعة جدا على المؤسسات الفردية، وكل رقابة مكلفة، سواء من الأجهزة أو التوظيف، وغيرها. العامل الأجنبي يمارس استراتيجية مضادة إذا تم تشديد الرقابة عليه "لرفع تكلفة الرقابة على المالك"، حيث يقوم بإبطاء العمل أو تأخير الإنجاز وتعريض المالك للخسارة أو هدر الموارد وتراجع الدخل "وهذه النتيجة تفسرها نظرية المباريات في الاقتصاد". وهنا لم يعد أمام المالك السعودي غير خيارين اثنين فقط، إعلان الإفلاس ثم الانسحاب من السوق "وهي رغبة لدى المستثمر الأجنبي"، أو القبول بالعقود المخفية.
المالك السعودي لا يرغب - عادة - في العقود المخفية "التي يسميها البعض تسترا"، ذلك أنها تقلل من صافي أرباحه فيما لو باشر أعماله بنفسه، "لكن هذه المباشرة مستحيلة عمليا إلا إذا – وإذا فقط – كان المحل متناهيا في الصغر"، لكن أمام تعاظم مشكلة الوكالة وتعاظم تكلفتها، يضطر إلى القبول بالعقود المخفية التي تنقل تكلفة الوكالة إلى العامل الأجنبي، بدلا من المالك، وهذا خيار اقتصادي مقبول وتفسره النظرية الاقتصادية ببراعة. فإذا كان محل تجاري فيه عامل واحد ويحقق ربحا سنويا 150 ألف ريال "مثلا"، وكانت تكلفة الوكالة "رقابة من أجهزة وكاميرات ومحاسبة" 40 ألفا، "أي أن صافي الأرباح 110 آلاف ريال"، لمنع العامل من اختيار الاستراتيجية المضادة، فإن المالك سيختار عقدا مخفيا مع العامل "لتجنب الإفلاس"، حيث يحصل على أرباح صافية سنوية تقدر بـ60 ألف ريال "خمسة آلاف شهريا مثلا"، وهذا الخيار منطقي وإن ظهر كخسارة فادحة للمالك، حيث إنه سيتخلص ليس من تكلفة الوكالة فحسب، بل حتى من تكلفة الإدارة "ويستر رأسماله"، وهذا يجعل صافي أرباح المالك تنخفض إلى مستوى أعلى قليلا من تكلفة الفرصة البديلة "العائد على الودائع".
المشكلة تبدأ إذا نقل المالك تكلفة الإدارة إلى العامل، هنا تظهر مشكلات الغش التجاري وبعض المخالفات الإدارية والتهرب الضريبي "التي تربطها وزارة التجارة والاستثمار بالتستر"، لكنها مشكلة ناشئة أصلا من عدم السماح بالاعتراف بمثل هذه العقود مخفية وتقنينها، هذا ما أنادي به. والمشكلة الأخرى، أن الزملاء في القانون هم من يدير الحدث والمشهد الاقتصادي اليوم، أي أنه تتم صياغة النص القانوني ثم على الاقتصاديين الاستجابة، وهذا المنهج مكن ماركس من نقد الرأسمالية، ولا بد من العودة إلى المسار الصحيح، وأن تتم دراسة الوضع اقتصاديا ثم بناء القواعد القانونية لتنظيم العقود، وتجريم ما هو مجرم فقط.

إنشرها