الخطاب والأحداث الدموية الأخيرة في أمريكا

|


احتل إطلاق النار الجماعي الذي أودى بحياة العشرات من الأبرياء في الولايات المتحدة عناوين الصحف والأخبار، فأن يضرب العنف مجتمعاتنا العصرية والمتمدنة لم يعد لعمري أمرا غريبا.
بيد أن الكلمات والعبارات -أي اللغة والخطاب- التي أعقبت الأحداث الدامية في أمريكا، كانت من الأهمية بمكان، وأرى أننا ربما لأول مرة أمام خطاب إعلامي يتناول عنفا رهيبا بهذا المستوى بطريقة تحاول التقرب من النزاهة والعدالة والحياد.
وقبل الولوج في النقاط المضيئة التي رافقت تغطية الحادثتين الأخيرتين في الصحافة الغربية، والأمريكية بالذات، أرى من المناسب تقديم فرضيات أو بالأحرى أطر فكرية حول دور الكلمة في حياتنا كبشر وعلاقتها بتكويننا النفسي والاجتماعي والثقافي والمدى الذي تلعبه في الأفعال التي نقوم بها.
في أروقة الصحة والطب يؤكد المختصون بالحمية، أن أجسامنا تستجيب إلى ما نأكله وأننا من حيث صحة الجسد لسنا إلا ما نأكله.
إن كان الجسد يحتاج إلى تغذية ويستجيب لها سلبا أو إيجابا، استنادا إلى نوعية الأكل، فكذلك تكويننا الفكري والثقافي يستجيب سلبا أو إيجابا إلى نوعية الخطاب الذي فيه، ومن خلاله نكون لأنفسنا الواقع الاجتماعي الذي نحن فيه.
علماء الخطاب وفلاسفته يربطون بين الكلمة التي ننطقها والأفعال التي نقوم بها. ومن هذا المنطلق، واستنادا إلى الكلمة وتحليلها النقدي، يصبح بمقدورنا أن نقدم توصيفات محددة كأن نقول: هذا خطاب عنصري، أو هذا خطاب ماركسي، أو هذا خطاب ليبرالي، أو هذا خطاب يثير الكراهية، أو هذا خطاب يعكس اليمين أو اليسار، أو هذا خطاب أصولي، أو هذا خطاب يدعو إلى التسامح إلى آخره.
ما أود الوصول إليه هو أن الطريقة المثلى للوصول إلى المواقف الفكرية والأيديولوجية والثقافية التي ذكرتها أعلاه تكمن في التحليل النقدي لكلماتنا وعباراتنا.
وفي الإمكان صياغة فرضية في هذا الخصوص ومفادها: قل لي ما الكلمات والعبارات التي تستخدمها وأنا أقول لك من أنت حقا.
وإن أخذنا الفرضية هذه معيارا للمواقف في الغرب وأمريكا على وجه الخصوص، لرأينا أننا أمام خطاب جديد فيه من المقاربة ما يرسل إشارات حميدة على تطور الفكر الإنساني بصورة عامة.
وما شدني كانت الجمل الافتراضية العديدة التي أثارها الإعلام حول الموقف الحكومي الرسمي وغيره وطبيعة الخطاب لو كان منفذو هذه الهجمات المرعبة من المسلمين مثلا.
وكان التركيز الإعلامي على المواقف الأيديولوجية لمنفذي هذه الهجمات حيث تم توصيفهم بعبارات مثل "مناصري تفوق العرق الأبيض" و"منفذي خطاب الكراهية على أرض الواقع" و"اليمين المتطرف"، وكذلك على دور الخطاب الدارج في الغرب وأمريكا في إذكاء النعرات وكيف أن منفذي مثل هذه العمليات يرددونها في بياناتهم.
وكانت هناك جراءة واضحة في مقالات الرأي في بعض الصحف التي سألت عن سبب عدم حشر دين أو مذهب منفذي هذه الهجمات رغم أن الكل يعلم أنهم ينتمون إلى طوائف مسيحية أصولية ذات تأثير كبير في مجمل الحياة ولا سيما في أمريكا، بينما يتم حشر الدين فورا عندما تقوم فرق إسلامية متطرفة بأعمال كهذه؟
وأكثر ما شدني هو الإحساس المتزايد بأهمية الكلمات التي نستخدمها، حيث غيرت جريدة نيويورك تايمز الشهيرة العنوان الرئيس في صفحتها الأولى بعد انتقادات شديدة حيث إن العنوان الأول لم يعكس واقع خطاب الكراهية والعنصرية المتفشي حاليا في أمريكا.
وكتب ناقد شهير لـ"نيويورك تايمز" يطلب منها الحيطة والحذر في انتقاء كلماتها لأن الكلمات والعبارات التي تظهر على صفحاتها تحدد مسار الفكر والمواقف لدى الشعب الأمريكي.
كل هذا لا يخفي حقيقة أن هناك حاليا مدا متزايدا لكراهية الأجانب في الغرب، وهناك أيضا إيقاظا للمشاعر المعادية للسامية في أكثر من دولة، وتخويفا من المسلمين، وتمددا لليمين المتطرف وخطابه الذي لا يثير الكراهية والعنصرية فحسب، بل الخشية من الآخرين، وهم الذين يختلفون عرقا وديننا أو فكرا.
وإن قرأنا البيانات التي يطلقها منفذو العمليات هذه لرأينا أن أصحابها يتطرقون إلى ألفاظ مثل "الغزاة" و"الوباء" و"المجرمين" و"الجرذان" وشتى أصناف التعابير التي تدخل الرعب في القلب وكلها لتوصيف الطبقات والمجاميع الأكثر ضعفا في المجتمع مثل المهاجرين واللاجئين.
وما يزيد طين الوضع بلة هو استحواذ اليمين المتطرف في الغرب على أكثر مواقع التواصل الاجتماعي انتشارا. وهذه المواقع تبث من خطاب الكراهية وتمجيد تفوق العرق الأبيض ما يوقف شعر الرأس.
التشديد على الانقسام الاثني أو العرقي أو الديني والهيستريا الخطابية المعادية للمهاجرين في الغرب، وهي في أعلى مستوياتها حاليا في أمريكا على وجه الخصوص، لابد أن تكون لها نتائج وخيمة؛ وأظن أن ما نشاهده الآن ما هو إلا رأس جبل الجليد.
وكم كان الإعلام الأمريكي صادقا عند مناقشته الأحداث الدموية الأخيرة، حيث اتفق أغلب الوسائل على إطلاق مصطلح "الإرهاب الداخلي" عليها من حيث الأدوات والمنفذون والأيديولوجية التي تقف خلفها، وطلبت الكف عن توجيه أصابع الاتهام بالإرهاب إلى الآخرين.
وأظن أن "الإرهاب الداخلي" سيزداد تفاقما في أمريكا وهي مقبلة على انتخابات رئاسية مصيرية قد لا يعلم البعض نتائجها، إلا أن الخطاب المبني على تفوق العرق الأبيض له من الأنصار ما قد يغير مسار الأصوات لمصلحة مطلقه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

إنشرها