الوحدة الاستراتيجية .. ومنجزات الحضارات

|

شهدت البشرية عبر تاريخها الطويل بروز دول متميزة، هي بمنزلة "وحدات استراتيجية كبرى" ناجحة، بنت "حضارات متعددة"، لا ترتبط بموقع جغرافي واحد، ولا بعرق إنساني محدد. وقد فعلت ذلك عبر تفعيل دور الإنسان "كوحدة استراتيجية" شخصية، وإتاحة الفرص أمام إنشاء مؤسسات متخصصة هي بدورها "وحدات استراتيجية" متعددة الخبرات، تفعل الشراكة وتحفز التنافس بين الناس نحو تقديم عطاء نوعي متميز يمكن أن يبقى في تأثيره سنينا وحقبا طويلة. بذلك أعطت الحضارات منجزات عديدة ما زال لبعضها أثر كبير مستمر إلى يومنا هذا لأسباب عديدة. وفيما يلي أمثلة لبعض مثل هذه الأسباب.
لعل أحد الأسباب هو استمرار استخدام بعض هذه المنجزات والاستفادة منها، كما هو الحال في "الدولاب Wheel" الذي ظهر واستخدم للنقل لأول مرة في بلاد "ما بين النهرين: الفرات ودجلة Mesopotamia" نحو عام "3200 قبل الميلاد". وهناك سبب ثان أيضا يرتبط باستناد "الفكر التنظيمي" الحالي إلى أفكار سابقة أنجزتها حضارات قديمة في هذا المجال، كما هو الحال في "تشريعات ومعايير حمورابي Hammurabi" التي وضعت نحو عام "1800 قبل الميلاد" في بلاد "ما بين النهرين" أيضا. شملت هذه التشريعات والمعايير: "وضع مقاييس، وأوزان، وأساليب عمل، وقوانين". وبين أشهر تلك القوانين، على سبيل المثال، "الحكم بالعقوبة القصوى على كل بناء ينهار، بيت من البيوت التي يبنيها"، حيث يدل ذلك على عدم أمانة مثل هذا البناء في القيام بعمله.
وننتقل إلى سبب آخر لحضور الحضارات القديمة في حياتنا. يتمثل هذا السبب في بقاء المنجزات المعمارية "آثارا مشيدة"، تدل على نفسها لتذكر بمن بناها، كما هو الحال في كل من: "الأهرامات" التي بناها المصريون في الفترة " 2613 - 2494 قبل الميلاد"؛ والآثار الإغريقية في أثينا، "كالأكروبوليس Acropolis" الذي بني نحو عام "440 قبل الميلاد"؛ وسور الصين العظيم الذي بني نحو عام "200 قبل الميلاد"؛ والأعمدة الرومانية التي بنيت في مختلف أجزاء الدولة الرومانية نحو عام "100 قبل الميلاد"؛ ثم المسارح الصوتية الرومانية، وبينها مسارح قائمة في كل من "روما، وبصرى الشام، وجرش"، وقد بنيت نحو عام "80 قبل الميلاد".
ونصل هنا إلى سبب رابع؛ يقترن هذا السبب باعتماد "الفكر الرياضي" الحالي على نظريات ومنهجيات قدمتها الحضارة الإسلامية في زمن الخليفة المأمون، في "القرن التاسع للميلاد". في تلك الفترة أنجز محمد بن موسى "الخوارزمي al-Khwarizmi" "نظرياته في الحساب والرياضيات". وبقي هذا الإنجاز مرجعا رئيسا للعلماء عدة مئات من السنين. فقد أطلق اسم "الخوارزمي" على الاختزال الرياضي المعروف بـ"اللوغاريتم Logarithm" في "القرن الـ17 للميلاد"، ثم أطلق اسمه مرة أخرى على منهجيات الحاسوب التي تعرف بـ"الخوارزميات الحاسوبية Computer Algorithm" في القرن الـ20.
بعدما سبق، يبرز أمامنا تساؤل مهم يستحق الطرح والمناقشة. يقول التساؤل: "لماذا تأتي المنجزات في عهود الحضارات، على الرغم من أن الإنسان الباني للمنجزات موجود عبر الزمن بكل إمكاناته، سواء في حقب الحضارات أو في غيرها؟".
لمناقشة هذا التساؤل، لعلنا نبدأ بطرح معنى الحضارة. إنها باختصار "حالة متقدمة من التطور والتنظيم الإنساني والاجتماعي والعلمي والتقني والاقتصادي والثقافي". ويتطلب بناء هذه الحالة وجود كيان، أو دولة تتمثل في "وحدة استراتيجية كبرى" تتطلع إلى التميز وتحمل أهدافا تتجاوز ما هو قائم، ساعية إلى فتح آفاق جديدة غير مسبوقة؛ ووسيلتها الرئيسة إلى ذلك هي تفعيل دور الإنسان في أداء العمل المطلوب، والخروج من الصندوق إلى الإبداع والابتكار، والعطاء والإنجاز.
على أساس ما سبق، فإن الإنسان المتميز "كوحدة استراتيجية شخصية"، وكعنصر في "وحدة استراتيجية مشتركة ومتخصصة" في مجال من المجالات، يستطيع أن يكون فاعلا قادرا على الإسهام في "الوحدة الاستراتيجية الكبرى" عندما يعيش في ظلها، ضمن بيئة الطموح والعمل والإنجاز التي تبنيها. فإن لم تتوافر له مثل هذه البيئة، فلن يكون بذاته مؤهلا لأي تميز يذكر. وعلى ذلك، فإن الإنسان يستطيع أن يكون متميزا ومعطاء في "بيئة حضارية محفزة"، ولا يستطيع أن يكون كذلك في غيابها. وهذا سبب اختلاف منجزات الإنسان عبر التاريخ تبعا للزمان والمكان.
ولعله من المفيد هنا الانتقال إلى الواقع الحضاري في العصر الذي نعيش فيه. ولا شك أن التقنية باتت عمادا رئيسا لحضارة هذا الزمن، فقد جعلت العالم "قرية صغيرة" بما قدمته من وسائل اتصال وتعامل مع المعلومات، وما أعطته من تمكين للحركة عبر المسافات من خلال وسائل النقل المختلفة. ويستمر تزايد تأثير التقنية في أرض الواقع الحضاري مع تقدمها المستمر، وتطبيقاتها في مختلف المجالات وعلى جميع المستويات، وبين مختلف الأمم.
صحيح أن التقنية الحديثة انطلقت من "الوحدات الاستراتيجية المتخصصة" في بلاد الغرب "أوروبا وأمريكا"؛ لكن الصحيح أيضا أن "الوحدات الاستراتيجية المماثلة" في بلاد أخرى نجحت في الإسهام فيها، والتنافس في تطويرها مع وحدات بلاد "الغرب" ذاتها. والأمثلة على ذلك كثيرة، خصوصا في بلاد "الشرق" المختلفة. وعلى ذلك فنحن اليوم في القرية الصغيرة نشهد "حضارة إنسانية" شاملة تتفعل بالتقنية، وهذه التقنية لم تعد ملك جهة واحدة، بل هي مفتوحة للجميع استخداما وتطويرا، فيما عدا ما يرتبط منها بأسرار هذه الدولة أو تلك، لكن هذه الأسرار ما تلبث أن تصبح معروفة للجميع، ولو بعد حين.
وهكذا، نجد أن التحدي الحضاري الأساسي أمامنا في هذا العصر هو "التقنية"، ليس في "حسن وفاعلية وكفاءة استخدامها" ولا في "أخلاقيات التعامل معها" فقط، بل في "اكتساب المعرفة المفيدة في مجالاتها، والإبداع والابتكار والعمل على تطويرها، والإسهام في عطائها". يتطلب هذا، التحدي الطموح والإرادة، والثقة بالنفس، وفكر التخطيط، وإرادة التنفيذ. فالجوهر هو تفعيل دور الإنسان "الوحدة الاستراتيجية الشخصية"، وبناء البيئة المحفزة على العمل والإنجاز من حولها. وتعتمد هذه البيئة على "الوحدات الاستراتيجية المتخصصة" في القطاعين العام والخاص، وعلى قدرتها على الشراكة والتعاون على المستويين المحلي والدولي. ولا شك أن التحدي كبير، لكن لا بد من مواجهته.

إنشرها