ما الذي يمنع الأسعار من الارتفاع بقوة؟

|

استقرت أسعار النفط في نطاق مؤقت حيث يتم تداول خام غرب تكساس الوسيط بين 54 و58 دولارا للبرميل و«برنت» بين 60 و65 دولارا للبرميل. لقد فشلت التهديدات بانقطاع الإمدادات في الشرق الأوسط في دعم الأسعار، في حين أن الانخفاض المستمر في الإنتاج والتصدير في إيران وفنزويلا فشل أيضا في رفع أسعار الخام.
في هذا الجانب يشير بعض المحللين إلى أن توقفات الإنتاج والمخاطر الجيوسياسية هي عادة المحرك الرئيس، لكن الذي يحرك الأسواق في الوقت الراهن المخاوف بشأن الطلب العالمي. بالفعل انخفضت امدادات "أوبك" بمقدار مليوني برميل يوميا، وهذا المستوى هو الأكثر حدة خلال عقد من الزمن. مع ذلك، لم تتحرك أسعار النفط إلى أعلى بقوة. لقد ارتفع المعروض في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين، ما عوض كثيرا من التخفيضات من "أوبك". لقد أصبحت هذه مشكلة دائمة بالنسبة لـ"أوبك" وحلفائها. والتباطؤ المفاجئ في الطلب العالمي على النفط يفاقم من هذه المعضلة.
نتيجة لذلك، وفي ظل الظروف الحالية تركز الأسواق بشكل أكبر على مخاوف الطلب والاقتصاد العالمي المتوتر. لقد تباطأ الطلب بلا شك ويتعلق كثير من ذلك بالحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة. إن الاهتمام الأكبر للأسواق الآن هو كيف يمكن للحرب التجارية أن تبدأ في تعطيل سلسلة الإمدادات العالمية.
من جهة أخرى، التوترات في مضيق هرمز تركت أسعار النفط تحت السيطرة حتى الآن. يرجع السبب في ذلك بشكل رئيس إلى المخاوف بشأن الطلب حتى إن أرقام الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي القوية الأخيرة لم تتمكن من تبديدها. في الوقت نفسه قد يكون نمو الطلب وصل إلى أدنى مستوياته الآن ويمكن أن ينتعش قليلا في المستقبل، خاصة مع اندفاع البنوك المركزية لتخفيف السياسة النقدية.
لقد خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي بمقدار 25 نقطة، وهو أول تخفيض منذ عقد. فمن ناحية، فإن خفض سعر الفائدة يمكن أن يطمئن الأسواق، ويعزز أسواق الأسهم ويحافظ على استمرار النمو الاقتصادي. لكن النمو يمكن أن يكون أيضا ليس ذا جدوى. يقول منتقدو خفض الفائدة إن حقيقة أن البنك المركزي يخفض أسعار الفائدة بعد أشهر فقط من رفعها أمر غير عادي، وفي النهاية يشير هذا التصرف إلى وجود مخاوف كبيرة بشأن الضعف الاقتصادي. والأسوأ من ذلك أنه في حال حدوث ركود أو أزمة مالية، سيكون الاحتياطي الفيدرالي قد استخدم جميع أدواته.
ومع ذلك سوف ينظر إلى التأثير في المدى القصير أنه إيجابي لكل من أسواق الأسهم والسلع، بما في ذلك النفط الخام. لكن، قد يكون التأثير في الأسعار محدودا، نظرا لأن التحفيز النقدي يستهدف إلى حد كبير التنبؤات في هذه المرحلة. كما أن التخفيض كان مخيبا للآمال، حيث إن الأسواق كانت تتوقع تخفيضا أكبر. بالرجوع إلى الاقتصاد الحقيقي، كانت أحدث البيانات مشوشة إلى حد ما. لقد أظهرت بيانات "بلومبيرج" تباطؤا إضافيا في الصين في شهر تموز (يوليو). كما أعلنت الولايات المتحدة تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني بنسبة 2.1 في المائة فقط، وهو معدل لا يزال جيدا لكنه انخفض بشكل كبير من 3.1 في المائة في الربع الأول. والأسوأ من ذلك، تم تعديل الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018 من 3 إلى 2.5 في المائة فقط، ما يثير تساؤلات حول مدى قوة الاقتصاد الأمريكي بالفعل في الماضي القريب. في الوقت نفسه، كان التضخم أعلى من المتوقع.لقد استأنف المسؤولون الصينيون والأمريكيون المفاوضات التجارية الأسبوع الماضي، لكن يبدو أن احتمال التوصل إلى صفقة كبيرة مستبعد على نحو متزايد. في هذا الجانب، كتب كبير الاقتصاديين الصينيين في Citigroup Inc. في هونج كونج: "إن التوقعات الاقتصادية للصين في النصف الثاني لا تزال تعاني حالة من عدم اليقين الشديد بشأن العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة التي تقيد بدورها استجاباتها للسياسات اللازم اتخاذها".
جاء كل ذلك قبل أن تتلقى الأسواق ضربة يوم الخميس الماضي، عندما أعلن الرئيس ترمب فجأة أن الولايات المتحدة سترفع التعريفات الجمركية على واردات الصين المتبقية البالغة 300 مليار دولار، وفرض ضريبة 10 في المائة على هذه البضائع اعتبارا من شهر أيلول (سبتمبر).
الجانب المضيء الوحيد في الاقتصاد هو الإنفاق الاستهلاكي الذي كان قويا. لكن قطاع الصناعات التحويلية في حالة ركود إلى حد كبير. يدور سؤال كبير آخر حول: كيف سيثبت الإنفاق الاستهلاكي المتين أنه سيستمر على هذا المنوال؟ في هذا الجانب، قال كوميرزبنك Commerzbank في تقرير له: إن الأرقام الأخيرة أظهرت استهلاكا قويا جدا في الربع الثاني. لكن على ما يبدو أن المشاركين في السوق لا يتوقعون الحفاظ على هذه القوة في الفصول المقبلة، حسب المصرف. ويضيف مصرف الاستثمار أن هذه المخاوف بشأن متانة الاقتصاد تفسر الوضع الأخير لمضاربات في أسواق النفط حيث قللوا بشكل ملحوظ من صافي مراكزهم الطويلة في خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط حسب آخر تقرير أسبوعي للمصرف.
إذا لم يستمر الاقتصاد في التباطؤ أكثر فقد يكون هذا هو القاع بالنسبة للأسعار، حسب كوميرزبنك. يرى المصرف أن ضعف الأسعار الحالي مبالغ فيه ويتوقع احتمالية هبوط محدود، حيث إن أسواق النفط تعاني نقصا في المعروض في الوقت الحالي.
إلا أن الأسواق تعاني نقصا في المعروض. لكن المخاوف، والارتباك والإشارات المتضاربة حول الاقتصاد العالمي قد تتجنب أي مكاسب في الأسعار على المدى القصير.

إنشرها