FINANCIAL TIMES

السياسة النقدية سلاح في ترسانة الحرب التجارية

الأسواق والمصارف المركزية لديهما تاريخ طويل ومسل من تخمين بعضهما بعضا. يعقد هذه العلاقة اليوم طرف ثالث حاد للغاية يتمثل في شخص الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وميله للعب دور "رجل التعريفات الجمركية".
لبعض الوقت، هيمن على خلفية الاستثمار اختبار إرادات بين الأسواق والمصارف المركزية فيما يتعلق بحجم الضرر الذي لحق بالاقتصاد العالمي في نهاية المطاف بسبب موجة متصاعدة من الحمائية التجارية.
في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة، تتداول جميع عائدات السندات الحكومية لمدة عامين وعشرة أعوام حاليا دون أسعار الفائدة الرسمية لليلة واحدة التي حددتها مصارفها المركزية المعنية، وهو اتجاه تفاقم بعد أن أعلن ترمب خططا لفرض تعريفة جمركية تبلغ 10 في المائة على ما تبقى من 300 مليار دولار من السلع الصينية التي نجت من مثل هذه الضرائب، بما في ذلك الملابس والألعاب والهواتف الذكية. هذه هي طريقة الأسواق في إخبار صانعي السياسات "مزيد من فضلكم".
قبل هذا الإجراء التجاري الأخير، كشف رؤساء المصرف المركزي الأوروبي ومصرف اليابان والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن عدم رغبة مفهومة في التأييد الكامل لرسالة سوق السندات السيادية العالمية، التي تشير إلى موجة جديدة من إجراءات التخفيف النقدي الكبيرة.
في حالة مصرف اليابان والمصرف المركزي الأوروبي، كلتا الجهتين لديهما مساحة محدودة لمزيد من التخفيف، وكثير من أسواق السندات الخاصة بهما تقع بالفعل في منطقة ذات عوائد سلبية.
النغمة الأساسية هي أن أي حافز جديد سيكون مصمما لتمديد الدورة الحالية، بدلا من منع ركود عالمي وشيك، وهي الصورة التي يتم رسمها بواسطة التدهور الملموس هذا العام في عائدات السندات قصيرة الأجل وطويلة الأجل.
تم تسليط الضوء على حصافة المصرف المركزي في الأسبوع الماضي عندما وصف جاي باول رئيس مصرف الاحتياطي الفيدرالي، تخفيض المصرف لأول ربع نقطة مئوية في تكاليف الاقتراض لليلة واحدة منذ أكثر من عقد، بأنه "تعديل منتصف الدورة للسياسة"، وهي ملاحظة قلصت من حركة سوق السندات وتسببت في اضطراب الأسهم.
أما بالنسبة إلى التجارة، أشار باول إلى بضع نقاط مثيرة للاهتمام: "المسألة هي أنه لا يوجد هناك كثير من الخبرة في الاستجابة للتوترات التجارية العالمية. لذلك هذا أمر لم نواجهه من قبل لكننا نتعلم من خلال مواجهته".
بعد أقل من 24 ساعة من ملاحظة باول أن التوترات التجارية كانت تحتدم -بعد أن اهتاجت بصورة كبيرة تقريبا في أيار (مايو) وحزيران (يونيو)- زادت حدة التوترات التجارية مرة أخرى. بشكل خاص، من الواضح أن الرئيس الأمريكي يستهدف شركات صناعة السيارات الأوروبية. في الوقت نفسه، يمكن للمرء أن يرى النهج الذي يقف وراء تصعيد ترمب التجاري مع الصين.
هذا النهج يحظى بشعبية مع اقتراب عام الانتخابات خاصة في الولايات المتأرجحة التي يحتاج إليها للفوز، في حين أن هناك أيضا افتراضا بأن أي تراجع للاقتصاد الأمريكي بسبب الرسوم الجمركية المرتفعة يمكن تقليصه عن طريق التخفيف النشط من الاحتياطي الفيدرالي.
هذا يعقد إلى حد كبير الصورة للمستثمرين. الأمر الواضح من التاريخ القصير للحمائية التجارية خلال إدارة ترمب هو أن الأسهم تتأثر بطريقة سلبية لعدة أسابيع، قبل أن تهدأ ضغوط البيع. كانت هناك ثلاثة تصحيحات رئيسة في الأسهم: أوائل عام 2018 وخريف عام 2018 وأيار (مايو) 2019، وكل ذلك ناتج عن تصاعد التعريفات الأمريكية على البضائع الصينية.
هناك أيضا فرصة لأن تؤدي اللعبة عالية المخاطر التي ينفذها ترمب إلى إبرام صفقة بين الصين والولايات المتحدة، وبالتالي قد يكون لدى المستثمرين فرصة جيدة جدا لشراء الأسهم، في حين أن سوق السندات تتعرض لخطر هزة واسعة.
لكن نوبات التقلبات في الأسواق المالية تترك ندوبا، والتساهل مع ضعف الرنمينبي هو أيضا ورقة قد تلعبها الصين أخيرا في الأسابيع المقبلة. في النهاية، يجب على المستثمرين أيضا قياس أي مدى ستصبح التجارة ضارة وما إذا كان إيمان ترمب بانخفاض أسعار الفائدة للمساعدة في الحفاظ على الاقتصاد المحلي- وبالطبع أسعار الأسهم- له ما يبرره.
تمثل أسعار الفائدة سلاحا صريحا لإعادة صياغة أساسية للعلاقات التجارية، وبصراحة لن تفعل كثيرا لمنع الضرر الكبير على الاستثمارات التجارية العالمية. في النهاية، هذا سيؤثر في المستهلكين وقطاع الخدمات الذي لا يزال مرنا.
يدرك المستثمرون هذه المخاطرة، إذ إن الارتفاع الكبير في الأسهم هذا العام كان مدفوعا بانخفاض حاد في عائد السندات. تفضيل الشركات ذات الطبيعة الدفاعية التي يطلق عليها اسم "وكلاء السندات" ينمو بسرعة.
هذه صفات جذابة عندما يتباطأ النمو الاقتصادي الواسع وتتقلص هوامش الربح كما يتضح من أحدث موجة من أرباح الشركات الأمريكية والأوروبية.
إحجام باول يوم الأربعاء عن الإشارة إلى دورة تخفيف ممتدة يعكس جزئيا رغبة في الحفاظ على ذخيرة نقدية إلى أن تكون هناك حاجة إليها فعلا، وبالتالي توجيه ضربة خفيفة في الوقت المناسب للسوق.
الآن، نظرا لأن السياسة النقدية أصبحت أداة في المفاوضات التجارية فإن الاحتمال يتمثل في عائدات سندات منخفضة جدا لا يمكنها أن تدعم سوى التقييمات العالية للأسهم والائتمان إلى حد ما. الحل المثالي هو إنهاء الحرب التجارية بدلا من الاعتماد على أسعار فائدة منخفضة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES