«معجزة» أوروبا مع إيران

|


"إيران ستتخذ خطوة ثالثة لتقليص التزاماتها بالاتفاق النووي"

جواد ظريف، وزير خارجية إيران

تواصل أوروبا محاولاتها المستميتة من أجل الإبقاء على الاتفاق النووي مع إيران، وتجهد نفسها على كل المستويات السياسية لتأكيد أن هذا الاتفاق لم يمت، وأنه يمكن التعاطي معه مجددا، وأنه هو الأساس "الحي" لفرض الرقابة الدولية النووية على إيران، وأن الاتفاق المذكور يبقى الأهم على الإطلاق، بصرف النظر عن انسحاب الولايات المتحدة منه، وبعيدا عن سلوكيات النظام الإيراني الإقليمية والدولية. وأوروبا التي لا تجمعها في الواقع حالة ودية مع الإدارة الأمريكية، تراهن على إمكانية تغيير توجهات هذه الإدارة، على الأقل بصورة معتدلة لا جذرية. فهي تعلم أنها ليست قادرة على إحداث أي تغيير عملي لدى واشنطن، طالما أن هذه الأخيرة ملتزمة بمفهومها للاتفاق النووي. وهو مفهوم يستند إلى قناعتها بأنه سيئ، ويمنح نظام علي خامنئي مساحات لاقتناص الفرص من أجل بناء قوته النووية التي يحلم بها.
ورغم الاعتداءات التي تقوم بها طهران في مياه الخليج العربي مستهدفة السفن التجارية، لا تزال أوروبا تعتقد بإمكانية تغيير سلوكيات النظام الإيراني. ورغم الإهانات التي تعرضت لها دولة كبريطانيا جراء احتجاز الناقلة التجارية التابعة لها من قبل قوات الحرس الثوري الإيراني، إلا أن لندن تبقى سائرة في نهج السياسة الأوروبية في هذا الخصوص. حتى إن بعض التصريحات البريطانية "العنترية" من قبل وزراء في حكومة تريزا ماي السابقة، تحولت إلى مواد للسخرية في أكثر من منبر إعلامي بريطاني. لماذا؟ لأن الحكومة لم تتخذ الموقف الحاسم حيال هذه المسألة، وظلت تخاطب الرأي العام بلغة ليست مناسبة للحدث نفسه. صحيح أن لندن تركت مجالا للسياسة من أجل حل هذه المشكلة، لكنها مارست هذه السياسة في الوقت الخطأ. ورغم ذلك، لم ترد حتى على وصف علي خامنئي بريطانيا بـ"الدولة الخبيثة"! لنترك ألمانيا جانبا في مسألة رفضها دعوة الولايات المتحدة للمشاركة في تأمين الملاحة التجارية في مضيق هرمز، على الرغم من أن هذه المهمة ذات طابع دولي محق. برلين تعتقد أنه لا بد من ترك المجال أمام المحاولات السياسية لإنهاء الاعتداءات الإيرانية في الخليج العربي، على أمل بائس يتعلق بتغيير سلوكيات طهران في مياه الخليج، ومعها استراتيجيتها الخاصة بالتخلص من الالتزامات النووية. لكن المشكلة هنا، أن المحاولات الأوروبية بشكل عام، وتلك التي يقوم بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل خاص لإنقاذ الاتفاق النووي، باءت بالفشل، ولم تكن فعالة منذ بدايتها. كما أن الأوروبيين لم يستخدموا حتى الموقف الأمريكي الإيجابي المعلن، الذي تضمن أخيرا قبول واشنطن الحوار مع طهران دون أي شروط مسبقة. وهذه أيضا سقطة أخرى للسياسة الأوروبية بشكل عام حيال هذا الأمر.
ماذا فعل الأوروبيون؟ شددوا على أهمية ومحورية وضرورة انتظار الاجتماع الوزاري بخصوص الاتفاق النووي. علما بأن كثيرا من الجهات الأوروبية غير الحكومية، أشارت في مناسبات عديدة إلى أن هذا الاجتماع "ما يشبهه" لن يحدث أي تقدم أو أي تغييرات في المواقف الإيرانية العدائية والاستفزازية. ولهذا السبب البائس خرج الأوروبيون للتعبير عن أسفهم من قرار وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، مؤكدين أنهم سيواصلون العمل معه. والمشكلة هنا، أن أوروبا تعرف، كما واشنطن، أن ظريف يستحق هذه العقوبات، لسبب واحد فقط، يتعلق بوجود أدلة ماحقة على أن وزارة الخارجية مولت بالفعل "فيلق القدس" الإرهابي الإيراني التابع لـ"الحرس الثوري"، بل تدخلت لإطلاق سراح أعضاء منتسبين لهذا الفيلق في إحدى الدول، عبر دفع أموال إلى مسؤولين في سلطتها القضائية!
وفرت طبيعة الموقف الأوروبي من نظام علي خامنئي، كثيرا من المساحات لكي يتحرك هذا النظام بحرية في ميادينها، بما في ذلك الساحة السياسية. والتذرع بأن شخصا كجواد ظريف يجب أن يتم التواصل معه باعتباره أرفع شخصية دبلوماسية في إيران، لم يعد مقبولا حتى عند بعض السياسيين الأوروبيين المعروفين بتأييدهم القوي للعمل السياسي مع نظام طهران. وظريف وغيره من المسؤولين لدى خامنئي لا يمكنه أن يرفض أوامر تأتيه من هذا "المرشد". فإذا كان رئيسه حسن روحاني لا يملك حق الرفض، فكيف الحال بوزير في حكومته؟ أثبتت الولايات المتحدة، أن العقوبات المتعاظمة من جانبها على إيران تحقق أهدافها بالفعل، ولا سيما على صعيد تمويل الإرهاب الإقليمي والعالمي. لكن أوروبا لا تريد أن تعترف بهذا الأمر حتى هذه اللحظة على الأقل.
أوروبا تسعى إلى صنع معجزة مع نظام يرفض حتى نصائح أصدقائه. ليس هذا فحسب، بل قام بالفعل بالاعتداء عليهم من خلال احتجاز ناقلة تجارية ترفع العلم البريطاني، ويهدد باحتجاز مزيد، ويهين الأوروبيين في كل مناسبة سانحة. يبدو أن القارة العجوز لا تزال تؤمن بصناعة المعجزات، ولم تسمع بأنه لا وجود لها، في حين أن موقفها المهادن لطهران، هو بحد ذاته معجزة.

إنشرها