ضيوف الرحمن في قلوب السعوديين

|


يأتي موسم الحج عاما بعد عام؛ لتؤكد المملكة حكومة وشعبا أعلى درجات اهتمامها وجهودها، وتسخيرها كافة مواردها لأجل خدمة حجاج بيت الله الحرام، الذين يتوافدون بالملايين من المسلمين من كل أرجاء العالم. المملكة التي سخرت أعلى من 10 في المائة من ناتجها الإجمالي لأجل تطوير وتحسين وتوسعة الحرمين الشريفين، ولأجل تحسين وتشييد البنى التحتية المؤدية إلى الحرمين الشريفين والمناطق المحيطة بهما كافة، سعيا إلى تسهيل وتيسير مهام الملايين من الحجاج والمعتمرين القادمين لأداء الركن الخامس من أركان الدين الإسلامي، وأداء العمرة طوال فترات العام، ذلك هو ما وضعته هذه البلاد المباركة في سنام أولوياتها تجاه الدين والأمة، منذ تأسيسها على يد المؤسس المرحوم بإذن الله تعالى، حتى اليوم، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
تلك الجهود التي قد يجهل كثير ممن هم خارج بلادنا حجمها، والتحديات الهائلة المرافقة لأعمال وجهود إتمامها، دع عنك من يعلمها تمام العلم لكنه يتجاهلها عدوانا وظلما من نفسه، ومكرا منه أحاطه الله به وألقاه فيه، عقوبة له من رب العالمين، في الوقت ذاته الذي سيعجز فيه بكل من لديه موارد وقدرات، على أن يفي ولو بعشر ما قامت به بلادنا بحمد الله وفضل منه لأجل خدمة الحرمين الشريفين. تلك الجهود التي يتطلبها الأمر من تسخير وتوفير مئات الآلاف من الموارد البشرية "أمنيا، صحيا، خدمات، إلى آخر الجوانب الأخرى المساندة"، علاوة على الأرصدة المالية والمادية الهائلة التي تفوق ميزانيات كثير من الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى ضرورة إعداد وتأهيل وتطوير البنى التحتية على المستويات كافة، بدءا من الموانئ والمطارات والطرق والمواصلات والمستشفيات والمراكز الأولية للعناية الصحية وغيرها من المرافق اللازمة لأداء هذه المهام الجسيمة، التي تعجز عن الوفاء بها دول مجتمعة تنتمي إلى الدول النامية، ولا يعلم بحجمها إلا دول متقدمة تدرك تماما متطلبات واحتياجات استضافة هذه الملايين من البشر في بقعة صغيرة، وخلال فترة وجيزة لا تتجاوز الأيام المعدودة.
حيث تتكامل جهود ومهام عشرات الأجهزة الحكومية وشبه الحكومية ومئات من الجهات في القطاع الخاص، على أداء وتنفيذ أكثر من 136 خدمة في قطاع الخدمات العامة المقدمة لأجل خدمة ضيوف الرحمن، يتولى تأديتها ما يقارب 200 ألف عامل وعاملة في مختلف المجالات، تتوزع بين تنفيذ ومتابعة الإشراف على الخدمات كافة اللازمة لنجاح الحج، المقدمة من جميع الأجهزة الحكومية، والتحقق من سرعة إنهاء إجراءات الاستقبال في المنافذ البرية والجوية والبحرية، وتوجه الحجاج إلى مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو إلى مساكنهم مباشرة، والإشراف على أداء الجهات العاملة في المنافذ، ورصد أوجه القصور، ومتابعة عمليات نقل الحجاج من المنافذ الجوية والبرية والبحرية إلى مكة المكرمة أو المدينة المنورة لتكون ميسرة وآمنة، وتفقد مساكن الحجاج في مكة المكرمة والمدينة المنورة ومعالجة النواقص إن وجدت. كما تتولى الأجهزة الحكومية المعنية متابعة توافر الكميات المعروضة من السلع والمواد التموينية الأساسية والوجبات الغذائية، ومدى توافر الكميات لدى الموردين وتجار المواد الغذائية والتموينية الأساسية، وتكثيف أعمال الرقابة على المحال التجارية للتأكد من جودة السلع الغذائية المعروضة وصلاحيتها للاستهلاك ومطابقتها للمواصفات القياسية، والرقابة الشاملة على الخدمات المقدمة للحجاج كافة، انتهاء بتوفير الرعاية الاجتماعية للأطفال وكبار السن في مواقع الإيواء.
أما على مستوى الخدمات الصحية، فتقوم وزارة الصحة والأجهزة التابعة لها في القطاع الصحي بتقديم الخدمات الصحية والعلاجية والوقائية لضيوف الرحمن، شاملة تقديم الخدمات الإسعافية الطارئة لهم وفق الاحتياجات التشغيلية الميدانية، والتفتيش على الأغذية والأدوية والأجهزة الطبية في المنافذ الجوية والبرية والبحرية، والتفتيش على المنشآت الغذائية خلال موسم الحج في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، وإجراء عملية تقييم لوضع المنشآت الغذائية والعاملين فيها وطرق تداول وحفظ الأغذية. وعلى مستوى خدمات قطاع النقل، وأهمية مساهمته في تسهيل انتقال الحجاج من المشاعر المقدسة وإليها وداخلها، فتبدأ مسؤوليات المتابعة والإشراف على إدارة الحركة من المطارات وانتهاء بها، والتنسيق مع العمليات الجوية لجدولة الرحلات ومتابعتها مع الشركات المشغلة، وتقديم الخدمات اللازمة للحجاج عبر صالات الحج، ونقلهم في المشاعر المقدسة "منى، عرفات، ومزدلفة" عبر حافلات شركات النقل، وتنظيم انتقالهم من المسجد الحرام وإليه لأداء الصلوات، ومتابعة مغادرتهم وتشغيل الحافلات الخاصة بهم في المطارات، إضافة إلى تقديم الخدمات البريدية اللازمة لهم، وخدمات نقل الطرود البريدية من المملكة إلى بقية أنحاء العالم.
كل هذا وغيره مما لم يحضر ذكره هنا حول متطلبات خدمة الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، وخدمة ضيوفهما من كل أصقاع الأرض، التي أولتها بلادنا الخيرة أعلى درجات عنايتها واهتمامها، بدءا من خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين ــ أيدهما الله ــ وانتهاء بكل مواطن ومواطنة كل حسب مسؤوليته ودوره المحدد، وما بينهما من عشرات الأجهزة والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، إضافة إلى مئات المنشآت في القطاع الخاص، يؤكد ذلك كله أمرا واحدا لا ثاني له؛ الوفاء بكل ما يقتضيه نجاح القيام على أداء واجبات الحرمين الشريفين، وهو أمر تشرف به أبناء وبنات بلادنا كافة، حاكمين ومحكومين، لا فرق بينهم تجاه هذا الواجب المقدس، وأن بلادنا ستمضي بتوفيق من رب العزة والجلال في طريق التشرف بخدمة الدين والأمة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقودها الرئيس في ذلك الإيمان والتمسك بشرع الله القويم، والتوكل على رب العالمين. والله ولي التوفيق.

إنشرها